Untitled Document

عدد المشاهدات : 1844

الفصل السابع والأربعون بعد المائتين: غزوة تبوك- الجزء الثالث- العودة الى المدينة

 أسْرَار السيرة الشَرِيفَة- منهج حياة

الجزء الحادي والعشرون: غزوة تبوك
الفصل السابع والأربعون بعد المائتين
*********************************
غزوة تبوك- الجزء الثالث
العودة الى المدينة
*********************************

*********************************
محاولة لقتل الرَسُولُ أثناء عودة الجيش من تبوك

 

عاد الرَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- من "تبوك" في "رمضان" من السنة التاسعة، ولكن أثناء عودة الرَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- من تبوك حدث أمر خطير جدًا وهو محاولة جديدة لقتل الرَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- 
كان الجيش يعبر أحد الجبال الصعبة، وكان الرَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بعيدًا عن الجيش ولم يكن معه سوي "عمار بن ياسر" و"حذيفة بن اليمان" يقودان ناقته، وفجأة طلع على الرَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- اثنى عشر من المنافقين وهم ملثمون، وهاجموا الرَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بضراوة وحاولوا قتله، ولكن "حذيفة" و"عمار" استماتا في الدفاع عن الرَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وأخذا يضربان وجوه رواحلهم، وهرب المهاجمون دون أن ينالا من الرَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ودخلوا في عامة الجيش، وذلك هو قول  الله تعالى في سورة التوبة ((وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُوا‏)) 

هاجم الرسول اثنى عشر ملثمًا وحاولوا قتله
==========
الرَسُولُ لا يصرح بأسماء من حاولوا قتله
وعلم الرَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أسماء هؤلاء المنافقون عن طريق الوحي، ومع ذلك لم يأمر الرَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بعقابهم، ولم يعلن حتى أسمائهم للناس، وانما أسر بأسمائهم فقط لحذيفة بن اليمان، ولذلك أطلق على "حذيفة بن اليمان" أنه صاحب سر رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-

وحاول الصحابة معرفة أسماء هؤلاء المهاجمين لأقامة الحد عليهم، وقالوا:
- يا رسول الله أولا تبعث إلى عشائرهم حتى يبعث إليك كل قوم برأس صاحبهم؟ 
ولكن الرَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- رفض عقاب هؤلاء المهاجمين، وكان ذلك هو قمة العدل، واشارة هامة الى أن الدولة الإسلامية هي دولة يحكمها القانون، فمع يقين المسلمون بأن الوحي يأتي الى الرَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ولكن مع ذلك لم تتم ادانة أحد من هؤلاء المنافقون المجرمون لأنه ليست هناك بينة شرعية على ادانتهم 
وتعلم الصحابة هذا الدرس الهام، فهذا "عمر بن الخطاب" رأي أثناء مروره في الليل رجل وامرأة يزنيان، فلما كان الصباح قال للصحابة: 
- رأيت بعينى وسمعت بأذني
فقال له على بن أبي طالب: 
- يا أمير المؤمين أمعك أربعة شهود ؟ 
قال عمر: لا
قال على: 
- ان نطقت باسميهما جلدناك ثمانين جلدة (وهي حد القذف)
قال عمر: 
- يا على لقد رأيت بعينى وسمعت بأذني
قال على: 
- يا أمير المؤنين حد في ظهرك ان نطقت باسميهما
فاستجاب عمر رضى الله عنه وعن على وعن سائر صحابة رَسُولُ اهست -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-
==========
حديث الرسول عن الضعفاء والمرضى بالمدينة
وفي الطريق الى المدينة يقول الرَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- 
- إن بالمدينة رجالاً ما سرتم مَسِيراً، ولا قطعتم وادياً إلا كانوا معكم، حبسهم العُذْرُ‏
قـالوا‏:‏ 
- يا رسول اللّه، وهــم بالمدينة‏؟‏ 
قال -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ‏:‏ ‏‏
- وهم بالمدينة‏.‏ 
وقال في هؤلاء الله تعالى ((لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاء وَلاَ عَلَى الْمَرْضَى وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ لِلّهِ وَرَسُولِهِ)) 
==========
حرق مسجد الضرار
وعندما اقترب الرَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- من المدينة أرسل اثنين من الصحابة وهما "مالك بن الدخشم" و"معن بن عدي" ليحرقا مسجد الضرار
وقصة هذا المسجد أنه كان في المدينة قبل هجرة -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- رجل نصراني اسمه "أبو عامر" وكان من سادة الأنصار، وعلم أن هذا الزمان زمان نبي فترهب وتنسك طمعًا في أن يكون هو هذا النبي، وأطلق عليه أهل المدينة "أبو عامر الراهب" 
فلما بُعِّثَ الرَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وهاجر الى المدينة خاب ظنه، وحقد على الرَسُولِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ورفض الإسلام، وزاد حقده بعد نصر بدر، ثم ذهب الى قريش وأخذ يؤلبهم على حرب الرَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حتى خرجت قريش لغزو المدينة في أحد، وقبل بداية المعركة تقدم بين الصفوف، وأخذ ينادي على الأوس حتى يخذلوا الرَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ويقول أنا "أبو عامر الراهب" ولكن الأنصار سبوه وقالوا له: بل أنت أبو عامر الفاسق، فلما انتهت المعركة بانتصار قريش، لحق بهرقل قيصر الروم يستنصره على الرَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فوعده هرقل وأقام عنده، وأخذ يراسل المنافقين في المدينة، ويعدهم بأنه سيأتي بجيش هرقل لغزو المدينة
ثم أمر أتباعه أن يبنوا مسجدًا ليكون مقرًا لهم، ويقوموا من خلاله ببث أفكارهم الهدامة وفتنهم في المدينة، وحتى يقدم عليهم فيه من يقدم بكتبه اليهم، وحتى ينزل فيه عندما يأتي   
وبالفعل بنوا مسجدًا بجوار مسجد قباء، وقالوا للرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لقد بنيناه للضعفاء وطلبوا من الرَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أن يقدم للصلاة فيه حتى يعطوا شرعية للمسجد، وكان ذلك قبل خروج الرَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الى "تبوك" فعصم الله تعالى الرَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- من الصلاة فيه، وقال لهم الرَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: 
- انا على سفر ولكن اذا رجعنا ان شاء الله
فلما كان الرَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في طريق عودته من "تبوك" نزل جبريل وأخبر الرَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بخبر هذا المسجد وأنهم أرادوا به التفريق بين المؤمنين، فأرسل الرَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- اثنين من الصحابة –كما ذكرنا- وهما "مالك بن الدخشم" و"معن بن عدي" وأمرهما بحرق هذا المسجد

عندما اقترب الرَسُولُ من المدينة أرسل اثنين من الصحابة ليحرقا مسجد الضرار
==========
وصول الجيش الى المدينة
وعندما لاحت معالم المدينة من بعيد للجيش قال‏ الرَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-:‏ 
- هذه طَابَةُ، وهذا أحُدٌ، جبل يحبنا ونحبه‏

هذه طَابَةُ، وهذا أحُدٌ، جبل يحبنا ونحبه
==========
اعتذار المنافقون وقبول الرَسُولُ اعتذارهم
وبعد أن دخل الرَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- المدينة، صلى ركعتين في مسجده، ثم جلس الى الناس وجاءه المنافقون الذين تخلفوا عن الخروج وكان عددهم اثنين وثمانون رجلًا وأخذوا يتعللون بأعذار واهية ويحلفون كذبًا للرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فقبل الرَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- علانيتهم ووكل سريرتهم الى الله تعالى

خريطة غزوة تبوك كاملة
==========
الثلاثة الذين خلفوا
الا ثلاثة فقط من الصحابة اعترفوا بذنبهم في التخلف عن رسول الله، وهم: "كعب بن مالك"  و"مُرَارَة  بن الربيع" و"هلال بن أمية" فلم يقبل الرَسُولُ اعتذارهم حتى ينزل فيهم وحيًا، ثم نزل الوحي بمقاطعتهم عقابًا لهم، وبالفعل قاطعهم المسلمون خمسون يومًا كاملة، وهي مدة الغزوة، وشملت المقاطعة حتى زوجاتهم 
 حتى أنزل الله تعالى توبتهم في القرآن في سورة التوبة، يقول تعالى:)) وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ *مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (( 



اعترف ثلاثة من الصحابة بذنبهم في التخلف عن رسول الله
==========
نتائج غزوة تبوك
كانت غزوة تبوك هي آخر غزوات الرَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كما كانت أصعب غزوات الرَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بالرغم من عدم وقوع قتال فيها، فكانت تدريًبا جديدًا للصحابة على تحمل المشاق والصعاب في سبيل الله تعالى 
وقد استغرقت الغزوة خمسون يومًا كاملة، قضى منها عشرون يومًا في "تبوك" بينما قضى ثلاثون يومًا ذهابًا وايابًا
وكان من نتائج هذه الغزوة تنقيه الصف المسلم من جديد من شوائب المنافقين
كذلك كان لها أثر عظيم في بسط نفوذ المسلمين على كامل الجزيرةالعربية، فقط قلنا أن القبائل العربية قد بدأت في الوفود على المدينة بعد فتح مكة وحرب هوازن لمبايعة الرَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فلما كانت غزوة "تبوك" ورأي جميع العرب الجيش المسلم العملاق وهو يقطع الجزيرة العربية شمالًا حتى وصل الى داخل أراضى الإمبراطورية الرومانية، ورأوا جيوش أكبر دولة في العالم وهي تنسحب أمامهم، علم العرب أنه لا طاقة لهم بحرب المسلمون، فأسرعت جميع القبائل الى المدينة
وبعض هذه القبائل قد جاء الى المدينة ليسلم على يدي الرَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- اقتناعًا بالإسلام، ومنهم من جاء خوفًا وطمعًا في الدولة الإسلامية، ومنهم من جاء ليعقد عهدًا ويظل على دينه، وبلغ عدد الوفود الذي جاء الى المدينة في السنة التاسعة وأثناء العام العاشر أكثر من ستين وفدًا وقدره البعض بمائة وفد، حتى أطلق على العام التاسع من الهجرة عام الوفود
 

انتهي الجزء الحادي والعشرون بعنوان: غزوة تبوك
ويليه الجزء الثاني والعشرون بعنوان: الأحداث من "تبوك" حتى وفاة -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
 

*********************************

لمطالعة بقية الفصول اضغط هنا

*********************************