Untitled Document

عدد المشاهدات : 2278

الحلقة (17) من (تدبر القرآت العظيم) - تدبر الآية (7) من سورة البقرة، وهي قول الله تعالى: خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ
تدبر القُرْآن العَظِيم
الحلقة  السابعة عشر
 ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇

 تدبر الآية رقم (7) من سورة البقرة

قول الله تعالى
(خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ)
 ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇

  

❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇

 قلنا أن الله تعالى تحدث في أول سورة البقرة عن أصناف الناس، فتحدث أولًا عن المؤمنين في أربعة آيات، ثم تحدث عن الكافرين في آيتين، ثم تحدث عن المنافقين في ثلاثة عشر آية، لأن المنافق أعظم خطرًا على المجتمع المسلم من الكافر، ثم تحدث عن بنى اسرائيل في أكثر من مائة آية، لأن المواجهة بين الأمة الإسلامية وبين اليهود هي أخطر مواجهات الأمة الإسلامية

وبدأنا في اللقاء السابق حديث الله تعالى عن الكافرين، وهي قول الله تعالى في الآية السادسة ) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرَتْهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ)
 ثم بين الله تعالى حيثية وسبب عدم ايمانهم فقال في الآية التالية (خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ) 
كأن السامع يقول: لم لا يؤمنون ؟ ولم: سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرَتْهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ؟ فيجيب الحق –سبحانه وتعالى- ويقول العلة: لأن الله خَتَمَ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ
 

❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇

 ومعنى الختم لغة: التَّغْطِيَةُ عَلَى الشَّيْءِ بحيث لَا يَدْخُلَهُ شَيْءٌ ولا يخرج منه شيء 

ونحن اذا كان هناك نزاع قضائي على عقار، تأتي السلطة فتختمه بالشمع الأحمر، فلا يستطيع أحد أن يدخل شيء ولا أن يخرج شيء
فمعنى (خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ) عدم خروج الكفر من القلب، ولا دخول الإيمان في القلب 
وهذا رد على من يقول: ما ذنب الكافرين اذا كان الله قد ختم على قلبه، نقول أن الله تعالى لم يقل "وضع الكفر في قلبه" ولكن الكفر وجحود الحق كان موجودًا في قلبه ابتداءًا، ثم أصر على الكفر، وتمادي في الباطل، واستكبر عن اتباع الحق، فعاقبه الله تعالى بأن ختم على قلبه
وهنا كانت دقة تعبير القرآن بالختم على القلب، فالله تعالى لم يخلق الكفر في قلبه، ولكن الكفر كان موجودًا في القلب بالفعل، وأصر صاحبه عليه، بالغرم من أن الله تعالى أعطاه الهداية الفطرية، وهداية العقل، وأرسل اليه رسول، وانزل عليه كتاب معجز، ومع كل هذا أصر على الكفر، فعاقبه الله تعالى بألا يخرج الكفر من قلبه، ولا يدخل الإيمان فيه
وهذا مثل قول الله تعالى (فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُم) 
ومثل قوله تعالى (بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا )
الإمام "مجاهد بن جبر" في تفسير هذه الآية، وهو من أعلام المفسرين، وتلميذ "ابن عباس" بسط كفه، وقال: القلب مثل هذا، فَإِذَا أَذْنَبَ الْعَبْدُ ذَنْبًا ضُمَّ مِنْهُ، وَقَالَ بِأُصْبُعِهِ الْخِنْصَرِ هَكَذَا، فَإِذَا أَذْنَبَ ضُمَّ. وَقَالَ بِأُصْبُعٍ أُخْرَى، فَإِذَا أَذْنَبَ ضُمَّ. وَقَالَ بِأُصْبُعٍ أُخْرَى وَهَكَذَا، حَتَّى ضَمَّ أَصَابِعَهُ كُلَّهَا، ثُمَّ قَالَ: يُطْبَعُ عَلَيْهِ بِطَابَعٍ
يقول الرَسُولُ إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا أَذْنَبَ ذَنْبًا كَانَتْ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ فِي قَلْبِهِ –النكتة هي النقطة في الشيء تخالف لونه- فَإِنْ تَابَ صُقِلَ قَلْبُهُ، وَإِنْ زَادَ زَادَتْ حَتَّى تَعْلُوَ قَلْبَهُ، فَذَلِكَ الرَّانُ الَّذِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى) كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ )
 ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇

 هذا أول معنى من معاني "الختم" وهو بمعنى "الطبع"

وهناك معنى آخر من معاني  "الختم" وهو الإنتهاء من الشيء، كما نقول ختمت المصحف
فالختم يعنى أن هذا الطبع شمل جميع القلب ولم يترك منه شيء
 

❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇

  (وعلى سمعهم) يعنى ختم على السمع، فلايستمعون الى الحق ولا يتأثرون بالقرآن اذا يتلى عليهم  

ونحن نستخدم هذا التعبير، فنقول: هذا الطفل لا يسمع الكلام
وعندما تتحدث الى شخص وهو لايركز في كلامك، تقول له: أنت لا تسمعنى
ولم يقل تعالى "خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ" وانما كرر "عَلَى" فقال "خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ" لتأكيد الختم 
 ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇

  (وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ) وقرأت "غِشَاوَةٌ" "غَشَاوَةٌ" " غُشَاوَةٌ" بالكسر والفتح والضم، مثلثة

و"الغشاوة" هى الغطاء، فنحن نقول: غشاه يعنى غطاه 
فهم على أبصارهم غِشَاوَةٌ فلا يرون الحق مع وضوحه
وجائت كلمة "غِشَاوَةٌ" نكرة، لأن الغشاوة التى على أعينهم لا تعدلها أي غشاوة، فتنكير "غِشَاوَةٌ" للتهويل
فالله تعالى يقول أن (عَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ) فلا يرون الحق مع وضوحه
وهذا هو حال أهل الباطل دائمًا، عندما تتحدث اليهم تشعر كأن هناك غِشَاوَةٌ على أبصارهم، مع أن الحق واضح وضوح الشمس، وتأتي بدليل وثاني وثالث وعاشر، وهم مصرون على الباطل، فاذا رأيت هذا فلا تحزن، واعلم انه مبتلي من ربه، وأنه سبق في علم الله تعالى أنه سيعيش في الباطل وسيموت على الباطل
 ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇

 سواي الله تعالى بين القلب والسمع فقال "خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ" وعندما تحدث عن البصر قال "عَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ" لأن القلب يعقل من جميع الجهات، وكذلك السمع يسمع من جميع الجهات، وفي النور والظلمة، أما البصر فيدرك من جهة واحدة 

فيناسب القلب والسمع "الختم" بحيث لا تفتح له اي جهة، أما البصر فيكفيه الغِشَاوَةٌ أي الغطاء
 ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇

 قدم الله تعالى السمع على البصر، وفي كل موضع من القرآن العظيم يقدم الله تعالى السمع على البصر

والسبب –كما أثبت العلم الحديث في القرن السابق- أن الأذن تبدأ في العمل قبل العين 
فالجنين يبدأ في سماع الأصوات في الشهر الخامس، فيسمع أصوات حركة أمعاء وقلب أمه، ومن أجل ذلك نوصى الأم أن تسمع القرآن حتى يسمع الجنين القرآن وهو لا يزال في بطن أمه، أما حاسة البصر فلا تبدأ في عملها الا بعد الولادة
ويصبح سمع الطفل حادًا بعد أيام قلائل من ولادته، بينما لا يبدأ الطفل في تمييز الوجود الا في بعد الشهر السادس
ولذلك يقدم الله تعالى السمع على البصر في كل موضع من القرآن العظيم، الا في موضع واحد قدم الله تعالى البصر على السمع، وهي قول الله تعالى في سورة السجدة "ربنا أبصرنا وسمعنا" لأن الآية تتحدث عن قول الكافرين يوم القيامة، لأن أكثر ما يهمهم في هذا الموقف هو ما رأوه من مشاهد العذاب وليس ما سمعوه، ولذلك قدموا السمع على البصر 

يبدأ الجنين في السمع في الشهر الخامس
 ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇

 (وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) وذلك في الآخرة

أصل "العذاب" هو الحبس
ولذلك كانت العرب تقول: عذب الفرس أي امتنع عن الطعام
ونحن نقول: ماء عذب، لأن الماء يحبس حتى ينقي 
وجائت كلمة " عَذَابٌ" نكرة، للتهويل من هذا العذاب، فهو عذاب لا مثيل له حتى يعرف 
والعظيم في الأصل من كبر عظمه، ثم استخدم بعد ذلك في كل كبير حسًا ومعنى
 ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇

 ملخص تدبر الآية

(خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ)
يذكر الله تعالى سبب عدم ايمان هؤلاء، فيقول أن الله تعالى قد خَتَمَ عَلَى قُلُوبِهِمْ، فلا يخرج الكفر من قلوبهم، ولا يدخل الإيمان في قلوبهم، و خَتَمَ عَلَى سَمْعِهِمْ فلايستمعون الى الحق ولا يتأثرون بالقرآن اذا يتلى عليهم (وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ)  فلا يرون الحق مع وضوحه