Untitled Document

عدد المشاهدات : 1782

الحلقة (21) من (تدبر القرآن العظيم) تدبر الآيات (13) و (14) و (15) و (16) من سورة البقرة- قول الله تعالى: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا كَمَا آَمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آَمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْل

 تدبر القُرْآن العَظِيم

الحلقة الحادية العشرون
 ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇

 تدبر الآيات أرقام (13) و(14) و(15) و(16) من سورة البقرة

) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا كَمَا آَمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آَمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ * وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ)
 ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇

 

 ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇

 لا يزال الله تعالى يتحدث عن المنافقين، فيقول ) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ) يعنى اذا قيل لهؤلاء المنافقون، والذي يقول لهم هم بعض المؤمنين الذين لهم اطلاع على أحوالهم

(آَمِنُوا كَمَا آَمَنَ النَّاسُ) يعنى آمنوا كما آمن أصحاب الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- من المهاجرين والأنصار
قال تعالى "الناس" ولم يقل "المؤمنون" مثلًا، مع أن هؤلاء المؤمنين هم بعض الناس وليسوا كل الناس، فكأن الله تعالى يقصد بالناس هم الكاملون في انسانيتهم، كما نقول "فلان هذا انسان" 
أو كأن المؤمنين هم الناس حقًا وما سواهم أقل مرتبة من مرتبة الناس
(آَمِنُوا كَمَا آَمَنَ النَّاسُ) آمنوا ايمانًا حقيقيًا كما آمن الصحابة، وليس هذا الإيمان المذبذب الذي أنتم فيه
(قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آَمَنَ السُّفَهَاءُ) وهذا القول من المنافقين لا يواجهون به المؤمنين، يقولونه في أنفسهم وبينهم وبين بعض
أصل السفه "الرقة" و"الخفة" كانت العرب تقول : ثوب سفيه، يعنى ثوب رقيق، أو ثوب مهلهل بالي، فالشخص السفيه هو الشخص الخفيف الأبله، الأحمق، الجاهل، ضعيف الرأي
ويقصدون بالسفهاء أصحاب الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وهذا يدل على تكبر هؤلاء المنافقون فهم يرفضون الدخول في الإسلام حتى لا يكونون سواء مع عامة الناس وفقرائهم
والآية تدل على أن أهل الباطل في كل وقت وكل زمان يفترون على أهل الحق، ويصفونهم بصفات تنفر الناس منهم، فهم يصفون المؤمنين بأنهم سفهاء، ووصفوا الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بأنه -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مجنون وكاهن وشاعر
(أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ) فيرد الله تعالى عليهم ويقول أنهم هم السفهاء وليس غيرهم
وهذه مثل قوله  )أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ(
"ألا" أداة تفيد التنبيه، والتأكيد؛ و"إنهم" توكيد أيضاً؛ و"هم" ضمير يفيد التوكيد أيضاً؛ فالجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات: "ألا" و "إن"  و"هم" وهذا من أبلغ صيغ التوكيد
فالله تعالى يؤكد أن هؤلاء المنافقون هم السفهاء لأن بعض المؤمنين يغتروا بهم، ويعتقدون فيهم الحكمة
(وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ) هنا قال تعالى "لَا يَعْلَمُونَ" ولم يقل "لا يشعرون" لأن مسئلة الإيمان مسئلة فيها نظر عاوزة أدلة وعاوزة استنباط تبقي عاوزة علم 
 

❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇

 (وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا) هذا هو قول المنافقين، يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر، حتى ينتفعوا بالدولة فيشتركوا في الغنائم، ولا يكونون منبوذين من المجتمع

(وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ) كلمة "خَلَوْا" يعنى يفعلون ذلك في الخفاء، وهذا دليل على أن ما يفعلونه قبيح
(وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ) يعنى انصرفوا الى شَيَاطِينِهِمْ وهُمْ رُؤَسَاءُ الْكُفْرِ، نظرائهم وأصحابهم، واليهود، لأن اليهود وجدوا في هؤلاء المنافقين أداة لتمزيق الصف الإسلامي وتمزيقه
وهذا يدل على أن هناك شياطين من الإنس، كما قال تعالى في سورة في سورة الْأَنْعَامِ ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا) 
 عَنْ أَبِي ذَرٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شَيَاطِينِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ . فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَلِلْإِنْسِ شَيَاطِينٌ ؟ قَالَ : نَعَمْ .
 (قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ) أي ساخرون من هؤلاء المؤمنين ونلعب بهم 
 

❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇

 فيرد الله تعالى عليهم في الآية التالية ويقول

(اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ) هل الله تعالى يمكن أن يستهزيء ؟ هل الإستهزاء من صفات الله تعالى 
كانت العرب تسمي الجزاء بِمِثْلِ لَفْظِهِ، أو العقوبة باسم الذنب، وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا لَهُ فِي مَعْنَاهُ، ليَكُونَ أَخَفَّ عَلَى اللِّسَانِ وعلى الأذن
مثل قول الشاعر
أَلَا لَا يَجْهَلَا أَحَدٌ عَلَيْنَا فَنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الْجَاهِلِينَا 
فَسَمَّى رده على الجهل جَهْلًا، وهو بالطبع لا يقصد أنه سيجهل، لأن الجهل لا بفتخر به 
وعلى ذلك جاء القرآن
كما قال تعالى (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا) وَالْجَزَاءُ لَا يَكُونُ سَيِّئَةً وَقَالَ :تعالى) فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ) . وَالْقِصَاصُ لَا يَكُونُ اعْتِدَاءً
قول الله تعالى (وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ .) والله لا يكون منه مكر وقوله تعالى (يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ (والله لا يكون منه خداع، ويقول تعالى في سورة التَّوْبَةِ) نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ)  والله تعالى لا ينسي
اذن (اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ) يعنى الله تعالى معاقبهم على استهزائهم بالمؤمنين
 ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇

 وقيل أن عقابهم على استهزائهم بالمؤمنين أن الله تعالى سيعاقبهم بأن يستهزيء بهم في الآخرة، لأن الجزاء من جنس العمل

وذلك مثلًا: بأن يفتح لهم وهم في جهنم باب الى الجنة والمؤمنون عَلَى الْأَرَائِكِ ينظرون اليهم، فيقبلون على هذا الباب، حتى اذا وصلوا اليه أغلق فيضحك المؤمنون منهم
وذلك قول الله تعالى (فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُون) يعنى ينظرون إِلَى أَهْلِ النَّارِ ، ثم يقول تعالى (هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) 
قيل كذلك أن النار تجمد حتى يمشون عليها، ويطنون أنها منجاة ثم تخسف بهم، وهكذا
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇

 مَعْنَى الِاسْتِهْزَاءِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: إِظْهَارُ الْمُسْتَهْزِئِ لِلْمُسْتَهْزَأِ بِهِ مِنَ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ مَا يُرْضِيهِ ظَاهِرًا، ثم يفاجئه بخلاف ذلك 

فاستهزاء الله تعالى بهؤلاء المنافقين، هو أن الله تعالى يستدرجهم بالنعم الدنيوية، فَيَظُنُّونَ أَنَّهُ تعالى رَاضٍ عَنْهُمْ، وهم من أهل النار يوم القيامة
 

❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇

 (وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ) المد هو أن تزيد في الشيء، معنى (وَيَمُدُّهُمْ) يُطِيلُ لَهُمُ الْمُدَّةَ وَيُمْهِلُهُمْ كَمَا قَالَ تعالى) : إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا) 

أَصْلُ الطُّغْيَانِ مُجَاوَزَةُ الْحَدِّ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى (إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ) أَيِ ارْتَفَعَ وَتَجَاوَزَ الحد. 
فقوله تَعَالَى : فِي طُغْيَانِهِمْ : أي في كُفْرُهُمْ وَضَلَالُهُمْ . 
ويعمهون يعنى يترددون ويتحيرون
" يَعْمَهُونَ" هناك "عمى" وهناك "عمه" 
العمي يكون في البصر
والعمه يكون في البصيرة
والعمي ينشأ عنه التخبط والتحير 
ويعمهون يعنى يترددون ويتحيرون ويتخبطون
اذن المعنى في الآية أن الله تعالى يمد لهم في أعمارهم وأرزاقهم حتى يزدادوا كفرًا وضلالًا فيذيدهم في العذاب
 

❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇

 (أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ)

الذي يشتري شيئًا يترك أمامه شيئًا آخر
فالمشتري يشتري سلعة ويترك مقابل لها نقود
فالذي يشتري الضلالة بالهدي، يأخذ الضلالة وترك مكانها الهدي
وهذا يدل على حمق المنافق وغبائه وسفاهته
 ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇

 وهذا دليل على أن الهدي كان معه، وكان بين يديه

وهذه هي الهداية الفطرية، وهداية العقل، وأنزل عليه كتاب معجز، وارسل اليه خير الرسل
 ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇

 يقول تعالى (فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ)

التاجر عندما يدخل في صفقة يكون نتيجة الصفقة أحد احتمالات ثلاثة: اما أن يربح أو أن يخسر أو أن يبيع بنفس السعر الذي اشتري به، فلا يكون هناك لا ربح ولا خسارة
وأعظم خسارة للتجار هو أن يخسر رأس ماله
فعندما يقول الله تعالى (فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ) فقد يتبادر الى الذهن أنه لاربح وخسارة
ولكن تأتي الصفعة التالية للمنافق فيقول تعالى (وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ) يعنى خسروا حتى رأس المال، اذن خسارة المنافق هي أعظم خسارة
وهذا التدرج يطلق عليه تصعيد الفجيعة
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇

 ملخص تدبر الآيات

) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا كَمَا آَمَنَ النَّاسُ) اذا قال لهؤلاء المنافقين بعض المؤمنين الذين لهم اطلاع على احوالهم، آمنوا ايمانًا حقيقيًا كما آمن أصحاب الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ردوا في تكبر واستعلاء  (قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آَمَنَ السُّفَهَاءُ) فيرد الله تعالى عليهم بجملة مؤكة بثلاثة مؤكدات، لأن بعض المؤمنين قد يغتروا بكلام هؤلاء المنافقين فيقول (أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ) (وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ) أي الى أصحابهم ورؤساء الكفر واليهود (قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ) فيرد الله تعالى عليهم بأن الجزاء من جنس العمل فيقول (اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ) ثم يقول (وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ) يعنى يمد لهم في أعمارهم وأرزاقهم حتى يزدادوا كفرًا وضلالًا فيذيدهم في العذاب (أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ) فهؤلاء تركوا الهدي واختاروا الضلالة، فخسروا وكانت خسارتهم أعظم خسارة