Untitled Document

عدد المشاهدات : 1675

الحلقة (28) من "تدبر القرآن العظيم" تدبر الآية (27) من سورة البقرة- الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ

   تدبر القُرْآن العَظِيم

  الحلقة الثامنة والعشرون

 ❇        

تدبر الآية (27) من سورة البقرة
❇        
(الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ)
❇        
ضرب الله تعالى في الآية السابقة مثالًا على دقة صنعته بالبعوضة، ثم قال أن هذا المثال (يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا) ثم قال (وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ)
وقلنا أن هذا معناه أن الفسق منهم أولًا ثم يضلهم الله ثانيا
وقلنا أن الفاسق هو الذي يخرج عن أوامر الله تعالى
وَالْفِسْقُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ أَصْلُهُ الْخُرُوجُ عَنِ الشَّيْءِ، يُقَالُ: فَسَقَتِ الرُّطَبَةُ إِذَا خَرَجَتْ عَنْ قِشْرِهَا، وسميت الفأرة (الْفُوَيْسِقَةُ)  لأنها تخرج مِنْ جُحْرِهَا . 
والقشرة التى على الرُّطَبَةُ هي حماية للثمرة من الفساد 
وكذلك الحدود التى وضعها الله تعالى هي السياج الذي يحمي الإنسان من التلف
فاذا خرجت الرُّطَبَةُ من قشرتها تلفت وفسدت، واذا تعدي الإنسان حدود الله تلف وفسد
فكأن هناك حتى اتفاق بين المعنى اللغوي للفسق والمعنى الشرعي لها
 فسقت الرطبة يعنى خرجت عن قشرتها

         

هذا الخروج عن منهج الله لها ظواهر في حركة الحياة 
وقد أثبت الله لها ثلاثة ظواهر وهي:
- يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ 
- يَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ 
- يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ 
ثم ذكر بعد ذلك النتيجة وهي (أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ)
اذن هناك عمل منهم وهو الفسق، وهذا هو السبب
وهناك ظواهر ثلاثة
وهناك نتيجة وهي الخسارة
❇        
أول ظاهرة هي (الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ)
يَنْقُضُونَ) النَّقْضُ: إِفْسَادُ ما صنعته، مثل نقض البناء) 
ومنها "محكمة النقض" وهي أعلى درجات التقاضي، فهي اما أن تبرم الحكم، أو تنقضه، أي تهدمه، وتصدر حكمًا جديدًا 
يقول تعالى )وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا) كانت في مكة امرأة تغزل طوال يومها، ثم تحل الغزل آخر اليوم
(الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ) ما هو العهد ؟ العهد هو العقد، والعقد هو اتفاق بين طرفين يلْتزم بمقتضاه كلٌّ منهما تنفيذ ما اتففا عليه، كعَقْدِ البَيْع والزَّواج
(مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ) أي من بعد توكيده، كما يأخذ أحدنا العقد ويوثقه في الشهر العقاري، أو يأخذ التاجر شهادة المنشأ أوالفاتورة التجارية ويوثقها في الغرفة التجارة
❇        
اذن كل واحد منا بينه وبين الله تعالى عقد، وهذا العقد موثق
وهو موثق لأنه بينك وبين الحق
وهذا العقد هو العهد الذي أخذه الله تعالى عَلَى بَنِي آدَمَ حِينَ اسْتَخْرَجَهُمْ مِنْ صُلْبِ آدَمَ، يقول تعالى ذلك في سورة الأعراف )وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا)
وهذا العقد الذي بينك وبين الله، لم يكن رغمًا عنك، وانما كان بكامل ارادتك، يقول تعالى (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا)
لا أحد من البشر يتذكر هذا الموقف، فأنت لا تتذكر أن الأمانة قد عرضت عليك وأنت اخترت بكامل ارادتك أن تتحملها، وأنت لا تتذكر أن الله تعالى قد قال: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ؟ فقلت: بَلَى شَهِدْنَا. ولكن كل هذا حدث لأن الله تعالى أخبر أنه قد حدث
ولذلك يطلق على هذا العهد: عهد الفطرة، الفطرة السليمة النقية، والتى لم يدنسها هوي تستطيع أن تهتدي الى وجود قوة وراء هذا الكون وان لم يأت لها رسول
ولذلك يقول "ابن حزم" إن معرفة الله بديهية لذوي العقول المستقيمة المدركة.
ولكن الرسل فقط للتذكير بهذه الفطرة وايقاظها
فهذا العهد هو عبادة الله وحده، وأيضًا هو كل ما أمر الله تعالى به ونهى عنه في كتابه وعلى لسان رسوله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ونقض العهد هو ترك العمل بكتاب الله وسنة رسوله
 معرفة الله بديهية لذوي العقول المستقيمة المدركة

 ❇        

 (وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ) 
أمر الله تعالى بصلات كثيرة، فأمر أولًا بصلة الأرحام، وأول الرحم هو بر الوالدين، وكلمة الرحم مأخوذة من "رحم الأم" يقول تعالى في سورة محمد ((فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ))
وأمر بصلة العقيدة فقال (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ)
وأمر بصلة الإنسانية الكبري
يقول تعالى (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا) يعنى ستقتل نفسك من الحزن عليهم بسبب عدم ايمانهم
روي أن النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مَرَّتْ بِهِ جِنَازَةٌ فَقَامَ فَقِيلَ لَهُ إِنَّهَا جِنَازَةُ يَهُودِيٍّ فَقَالَ أَلَيْسَتْ نَفْسًا
وفي قصة يوسف وضع لهم خطة اقتصادية انقذت مصر والمنطقة كلها من مجاعة شديدة، واختار أن يتحمل المسئولية في فترة في غاية الصعوبة، وقال (قَالَ اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ) ولم يكن أهل مصر موحدين، ولكنهم كانوا وثنيين يعبدون الأصنام
روي أن معاوية عندما كان أميرًا للمؤمنين، جاءه حاجبه وقال له: يا أمير المؤنين أن رجلا بالباب يقول: إنه أخوك 
فقال معاوية لحاجبه: ألا تعرف إخوتي؟ 
فقال الحاجب: هكذا يقول الرجل. فأذن معاوية للرجل بالدخول؛ وسأله: أي إخوتي أنت؟ 
أجاب الرجل: أخوك من آدم. 
قال معاوية: رحم مقطوعة؛ والله لأكون أول من يصلها.
اذن (وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ) 
هو قطع كل ما أمر الله تعالى به أن يوصل سواء كانت صلة رحم، أو الإخوة في الدين والعقيدة، أو الأخوة الإنسانية، كل ذلك ظواهر من ظواهر الفسق
 أول صلة أمر الله بها هي صلة الرحم

         

 (وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ) افساد الشيء هو أن تجعله غير صالح لأداء مهمته
فاذا فسد الطعام يكون غير صالح للأكل، واذا فسد الماء يكون غير صالح للشرب، وهكذا
وفساد الأرض أن تكون غير صالحة للعيش عليها
والإفساد في الأرض يكون بالمعصية
كأن الذي يعصى الله تعالى يجعل الأرض غير صالحة للعيش عليها 
يقول تعالى في سورة الروم ((ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ))
ولذلك عندما تكثر الذنوب، تجد كل الناس تشتكي، لأن الأرض أصبحت غير صالحة للعيش عليها
فتجد الذي يعمل يشتكي من عمله، ويبحث عن عمل جديد، ثم لا يرتاح في عمله الجديد
والذي يسكن في مكان يريد أن ينتقل الى منطقة جديدة
وكل الناس اتريد ترك البلد والهجرة الى بلد أخري، وعندما يهاجر لا يرتاح ويريد العودة مرة أخري 
وكل هذا بسبب كثرة الذنوب التى أفسدت الأرض فجعلها غير صالحة للعيش عليها
يقول الشعرواي –رحمه الله- (اذا وجدت كل الناس يشتكون فاعلم أن كل الناس مَشْكُون)
 اذا وجدت كل الناس يشتكون فاعلم أن كل الناس مَشْكُون

 ❇        

 (أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ)
كأن حياة الإنسان في هذه الدنيا صفقة تجارية
والصفقة التجارية معناها أن تعطي لتأخذ أكثر مما اعطيت 
فاجعل حياتك صفة تجارية مربحة
يقول الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- "الدنيا كسوق قام ثم انفض يربح فيه من ربح ويخسر فيه من خسر"