Untitled Document

عدد المشاهدات : 1455

الحَلَقَة (35) مِن "تَدَبُر القُرْآن العَظِيم" تدبر الآيات (37) و(38) و(39) من سورة البقرة (فَتَلَقَّى آَدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (37) قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِ

   تدبر القُرْآن العَظِيم

الحلقة الخامسة والثلاثون
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
تدبر الآيات (37) و(38) و(39) من سورة البقرة
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
(فَتَلَقَّى آَدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (37)   قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (38) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (39) 
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
تحدثنا في الحلقة السابقة عن ندم آدم بعد وقوعه في الذنب، وكيف أنه نزل من الجنة منكسًا رأسه، ويداه على ركبتيه
وقلنا أن آدم بكي على ذنبه كما لم يبك أحد، حتى قيل أنه بكي على ذنبه ثلثمائة عام، وما رفع رأسه الى السماء بعدها أبدًا حياءًا من الله تعالى
وهكذا تحققت شروط التوبة لآدم، لأن شروط التوبة هي: ترك، وندم، وعزم، ترك للذنب في الحال، وندم على ارتكابه، عزم أكيد على عدم العودة للذنب مرة  
لم يكن آدم يعرف ما الكلمات التى يقولها لله تعالى حتى يتوب، فأنزل الله تعالى عليه الكلمات التى يتوب عليه بها، وهذا هو قول الله تعالى (فَتَلَقَّى آَدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ) 
والتلقي يكون في استقبال الفرح والسرور ، كما قال تعالى (لا يحزنهم الفزع الأكبر وتتلقاهم الملائكة)
وهذا التلقي –كما علمه الله تعالى الأسماء- اما بطريق الوحي أو عن طريق جبريل أو عن طريق الألهام 
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
وهذه الكلمات هي التى ذكرها الله تعالى في سورة الأعراف في نفس القصة (قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ)
 فهذه الكلمات اعتراف من آدم وحواء أنهما أذنبا، وظلما أنفسهما بهذا الذنب، فلم يفعلا مثلما فعل ابليس عندما رد الأمر على الله تعالى (قال أنا خير منه خلقتنى من نار وخلقته من طين) (أأسجد لمن خلقت طينا) 
ولذلك فالرسول –صلى الله عليه وسلم- قال أن  سيِّدُ الاسْتِغْفار أَنْ يقُول الْعبْدُ: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي، لا إِلَه إِلاَّ أَنْتَ خَلَقْتَني وأَنَا عَبْدُكَ، وأَنَا على عهْدِكَ ووعْدِكَ ما اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ ما صنَعْتُ، أَبوءُ لَكَ بِنِعْمتِكَ علَيَ، وأَبُوءُ بذَنْبي فَاغْفِرْ لي، فَإِنَّهُ لا يغْفِرُ الذُّنُوبِ إِلاَّ أَنْتَ .
وهذه الكلمات التى تلقاها آدم من ربه، فيها انكسار لله تعالى، وهذا الإنكسار هو سر هذه المكانة العالية جدًا للتوبة 
ولذلك قال احد السلف: رب معصية أروثت ذلًا وانكسارًا، خير من طاعة أورثت عزًا واستكبارًا
ولقد سئل سعيد بن جبير: من أعبد الناس؟ قال: رجل اجترح من الذنوب وكلما ذكر ذنبه احتقر نفسه.
يقول النبي -صلى الله عليه وسلم- فيما يروي عن ربه عز وجل أنه يقول يوم القيامة: يا ابن آدم، استطعمتك فلم تطعمني، قال: يا رب، كيف أطعمك وأنت رب العالمين ؟ قال: استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه، أما لو أطعمته لوجدت ذلك عندي، ابن آدم، استسقيتك فلم تسقني، قال : يا رب، كيف أسقيك، وأنت رب العالمين ؟ قال: استسقاك عبدي فلان فلم تسقه، أما لو سقيته لوجدت ذلك عندي، ابن آدم، مرضت فلم تعدني، قال: يا رب، كيف أعودك، وأنت رب العالمين ؟ قال: أما إن عبدي فلانا مرض فلم تعده، أما لو عدته لوجدتني عنده
فقال في عيادة المريض "لوجدتني عنده" وقال في الإطعام، والإسقاء "لوجدت ذلك عندي" ففرق بينهما ، فإن المريض مكسور القلب ولو كان من كان، فلا بد أن يكسره المرض فإذا كان مؤمنا قد انكسر قلبه بالمرض كان الله عنده . 
وهذا هو السر في استجابة دعوة: المظلوم، والمسافر، لأن المسافر يكون في غربة فيكون مكسور  النفس
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
روي أن الله تعالى قال في مناجاته لآدم:
يا آدم، إذا عصمتك وعصمت بنيك من الذنوب، فعلى من أجود بحلمي ؟ وعلى من أجود بعفوي ومغفرتي وتوبتي، وأنا التواب الرحيم ؟ . 
يا آدم، لا تجزع من قولي لك اخرج منها فلك خلقتها ، وما أخرجتك منها إلا لتعود . 
يا آدم، ذنب تذل به لدينا، أحب إلينا من طاعة تدل بها علينا . 
يا آدم، أنين المذنبين، أحب إلينا من تسبيح المدلين . 
 يا آدم، ما أهبطتك من الجنة إلا لتتوسل إلي في الصعود 
يا آدم، كنت تدخل علي دخول الملوك على الملوك، واليوم تدخل علي دخول العبيد على الملوك . 
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
يقول تعالى (فَتَابَ عَلَيْهِ) فالفاء تأتي للترتيب والتعقيب، وتدل على سرعة قبول الله تعالى لتوبة آدم، لأن توبة آدم قد حققت كل شروطها: ترك وندم وعزم
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
ثم يقول تعالى (إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) والتذييل مناسب للآية
هذه الجملة تعليل لقوله تعالى (فَتَابَ عَلَيْهِ) كأن السائل يسأل لماذا تاب الله عليه ؟ فالجواب (إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ)
والتَّوَّابُ صيغة مبالغة من "تاب" ، وذلك لسببين: أولًا كثرة من يتوب الله عليهم، ولتوبته تعالى على كبائر الذننوب
والرَّحِيمُ صيغة مبالغة من الرحمة، فمن رحمته تعالى أن شرع التوبة، فلو لم يشرع الله تعالى لنا التوبة لكان الذي يذنب ذنبًا واحدًا لن يعود عن المعصية أبدًا، ولشقي به المجتمع كله
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
يقول تعالى  (قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ)
(فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ) أصل إِمَّا: إن ما، ولكنها مدمغة وكتبت على الإدماغ
و إن الشرطية تفيد الشك، كأن الله تعالى يقول ليش شرطًا أن أرسل رسول أو أنزل كتاب، لأن الله تعالى –كما قلنا من قبل- أعطاء هداية العقل، وأعطاك هداية الفطرة، فحتى لو لم ينزل عليك كتاب أو يرسل اليك رسول، المفروض أن تهتدي الى وجود الاه قادر وحكيم وراء هذا الكون
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
لماذا أعيد الأمر بالهبوط ؟
قال تعالى (فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (36) فَتَلَقَّى آَدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (37) قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا......)
قيل لأن آدم أهبط اهباطين: الإهباط الأول من الجنة الى السماء الدنيا، والثاني من السماء الدنيا الى الأرض
وقيل أن تكرار الأمر للتوكيد، كما تقول للرجل: قم قم
وهذا الموجود في كل كتب التفاسير، وهناك تفسير ثالث لم أقرأه الا في "مفاتيح الغيب" فقط، وهو أن آدم وحواء لما وقعا في الخطيئة، وأمرا بالهبوط، ثم تابا وقع في قلبيهما أنهما سيعودان الى الجنة بعد التوبة، لأن الهبوط كان بسبب الخطيئة
فكرر الله تعالى الأمر بالهبوط ليعلما أن الأمر بالهبوط باق بعد التوبة، كأنهما بعد التوبة استحقا الرجوع الجنة، ثم أمرا بالهبوط الى الأرض مرة أخري، لأن الإستقرار في الأرض أمر مقدر عليهما قبل أن يخلقهما الله تعالى
قال تعالى (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) ولكن دخول آدم الى الجنة –كما قلنا- كان تدريبًا له قبل أن يباشر مهمته في الوجود، وفي هذه التجربة الهامة جدًا ربط الله تعالى الهبوط بالخطيئة، تعظيمًا وتهويلًا للخطيئة حتى يكون درسًا للبشرية، وحتى نقول اذا كان آدم قد خرج من الجنة بخطيئة واحدة، فكيف أدخلها أنا بكل هذه الذنوب
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
يقول تعالى (فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ)
ثم يخبر الله تعالى آدم وحواء بالقاعدة التى ستسير عليها البشرية حتى يوم القيامة، وهي أنه تعالى سيرسل رسل، وسينزل تعالى كتب، (فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ) يعنى اتبع هذه الكتب وهؤلاء الرسل، (فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) 
الخوف هو اضطراب النفس من توقع شر مقبل
اذن فلابد أن يكون الخوف على شيء في المستقبل
وانظر الى دقة التعبير ليسوا هم فقط الذين لا يخافون، ولكن حتى أحبابهم لا يخافون عليهم
والحزن أن يفارفك شيء سار
اذن فلابد أن يكون الحزن على أمر في الماضى
اذن فقوله تعالى (فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) أمر يخص الآخرة، وليس الدنيا، لأن المؤمن قد يعتريه الخوف في الدنيا وقد يعتريه الحزن في الدنيا
أما في الآخرة  (فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ) فيما يستقبلونه من أمر الآخرة، لأنهم آمنون يوم القيامة (وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) على ما فاتهم من أمور الدنيا، لأنهم اغتنموا الدنيا، وقاموا فيها بأعمال صالحة، واحسنوا استغلال الدنيا
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
يقول تعالى (وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)
من جمال القرآن أنه قائم على الإيجاز، فلا يذكر الأمور التى يدركها العقل، ومن هذه الأمور ما يطلق عليه: مفهوم المخالفة 
يعنى اذا كان المؤمنون (لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) فبمفهوم المخالفة أن الذين كفروا يخافون ويحزنون
يخافون لما يأتي من أنكال النار، لأن كل يوم في النار أشد وأكثر عذابًا من اليوم السابق له، يقول تعالىى في سورة (عم) (فذوفوا فلن نذيدكم الا عذابا) حتى قيل أن هذه الآية هي أشد الآيات على الكفار 
 وحزن الكفار يوم القيامة الدائم على فوات الجنة
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
والملاحظ أن الله تعالى حين تحدث عن المؤمنين وعن الكافرين لم يأت بذكر الدنيا، وانما نقل منطقة التنعم ومنطقة العذاب الى الآخرة
لأن الدنيا ليست ثوابًا لمؤمن، ولا عقابًا لكافر، ولو كانت الدنيا تساوي عند الله جناح بعوضة ما سقي الكافر منها شربة
فلا ينبغي لأهل الحق أن ينتظروا أن يشاهدوا عقاب أهل الشر في الدنيا، والله تعالى لم يعد أه لالحق بعقاب أهل الشر في الدنيا، ومن هوانهم عند الله تعالى أنه تعالى لم يعاقبهم في الدنيا
والله تعالى لم يعاقب مثلًا فرعون موسى في الدنيا، لم يعاقب أبو جهل في الدنيا، كل رموز الشر على مدي التاريخ لم يعاقبوا في الدنيا، وان كانت قاعدة ثابتة أن يختم لهم بسوء الخاتمة، وتكون خاتمتهم خزي لهم، تطيبًا لنفوس المؤمنين
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
(أُولَئِكَ) استخدم تعالى اسلوب الإشارة البعيد لانحطاط رتبتهم، كما نقول في لغتنا الدارجة (البعيد مين) أو (اخوانا البعدا) وكانت العرب تقول (الأبعد)
ولكن أحيانًا نستخدم (أُولَئِكَ) مع المؤمنين، كما قال تعالى (أُولَئِكَ حزب الله) أو (أُولَئِكَ هم الوارثون) أو (أُولَئِكَ هم خير البرية) وفي هذه الحالة تستخدم (أُولَئِكَ) ترفيعًا لهم وتعلية لهم
(أولئك) أي المذكورون؛ وأشار إليهم بإشارة البعيد لانحطاط رتبتهم لا ترفيعاً لهم، وتعلية لهم؛
وكلمة (أَصْحَابُ النَّارِ) يعنى ملازمين للنار لا يفارقونها 
كما نقول (صحابة الرسول) يعنى الملازمين للرسول
يقول تعالى (هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) يعنى ماكثون فيها أبدا لايفنون ولا يخرجون
وقوله (هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) أشد من كلمة (أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ) لأن الذي يخوف بعذاب النار قد يقول سأعذب قليلًا ثم سأخرج، ولكن الخلود أشد حتى لو كان العذاب قليلًا 
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
قصة آدم كالمثال المحلول للبشرية
لأن قصة آدم فيها كل مراحل علاقة الإنسان مع ربه، لأن فيها أمر ونهي، واغواء الشيطان، وتوبة، ودخول جنة، وخروج من الجنة

*********************************

لمطالعة بقية الفصول- اضغط هنا

لمشاهدة الحلقات فيديو- اضغط هنا

******************************************************************