Untitled Document

عدد المشاهدات : 1345

الحَلَقَة (36) مِن "تَدَبُر القُرْآن العَظِيم" تدبر الآية (40) من سورة البقرة (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ)

   تدبر القُرْآن العَظِيم

الحلقة السادسة والثلاثون
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
تدبر الآية (40) من سورة البقرة
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
(يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ)
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
بعد أن عرض الله تعالى قصة آدم انتقل الى قصة "بنى اسرائيل" وقد قلنا من قبل أن المحور الأساسي لسورة البقرة هو أن الأمة الإسلامية هي المسئولة عن أصلاح العالم، وهذا أمر طبيعي لأن الدين الإسلامي هو الدين الخاتم
وفي سبيل ذلك عرض الله تعالى نماذج للإستخلاف في الأرض: فعرض أولًا نموذج آدم، وهو كما قلنا كالمثال المحلول للبشرية كلها
ثم يعرض الله تعالى الآن نموذج لبنى اسرائيل، وهو نموذج فاشل من نماذج الإستخلاف في الأرض، وذلك حتى نتعلم كمسلون فلا نقع في الأخطاء التى وقع فيها بنى اسرائيل
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
ولذلك فقاريء القرآن يشعر وهو ينتقل الى قصة بنى اسرائيل، أنه ينتقل الى موضوع آخر، وهو بالفعل موضوع آخر، ولكن الحقيقة أن هناك صلة بينه وبين ما سبقه، وهو أيضًا منسجم مع السياق العام للصورة كلها
وهذا من اعجاز القرآن، أن الله يتناول مئات أو آلاف القضايا في آيات القرآن، وكل قضية مستقلة بذاتها، ولكنها في نفس الوقت مرتبطة بالآيات التى قبلها والتى بعدها، ومتناسقة مع السياق العام للسورة
حتى في السور المختلفة نجد ارتباط بين نهاية السورة وبداية السورة التى بعدها، وهناك مؤلفات في هذا الموضوع، مثل كتاب "أسرار ترتيب القرآن" 
وهذا حتى اذا سها قاريء القرآن في الصلاة أو غيرها، فانه يمكن أن يعود بسهولة الى القرآن مرة أخري 
فلو كان الإرتباط بين آيات القرآن كل آية مبنية على الآية السابقة لها، كما هو الحال في كتابات البشر، كل فقرة مبنية على الفقرة التى قبلها، وكل باب أو فصل مبنى على الباب أو الفصل السابق له لكان الذي يسهو في الصلاة أو في قراءة القرآن مرة واحدة، لن يستطيع أن يعود الى تدبر القرآن مرة أخري
وتدبر القرآن هو الذي يوصلك للهدف من قراءة القرآن، لأننا نقرأ القرآن حتى نعمل به، ولن نعمل به حتى نفهمه، ولن نفهمه حتى نتدبره
ولذلك أنت لا تستطيع أن تقرأ أي كتاب من منتصفه، ولكنك تستطيع أن تقرأ القرآن من أي مكان، والإمام في الصلاة ليس شرطًا أن يبدا القراءة من أول القرآن أو من أول السورة، ولكنه يبدأ من منتصف السور، والمأموم يتابعه ويتدبر القراءة
وأنت في صلاة التراويح والإمام يقرأ حزب كل يوم، تسهو أحيانًا، ثم تنتبه وتعود الى تدبر القراءة مرة أخري 
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
يقول تعالى "يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ" الأصل في "بني" أن تكون للذكور، لكن إذا كانت لقبيلة، أو لأمة شملت الذكور والإناث، كما نقول في مصر "بنى سويف" أو "بنى مزار" أو "بنى عبيدة" ولا نعنى الذكور فقط، ولكن نعنى الذكور والإناث، وكقول الله تعالى (يا بني آدم)
ومعنى "يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ" يعنى يا أبناء يعقوب، وهو يعقوب ابن اسحق ابن ابراهيم (على نبينا وعليهم الصلاة والسلام) 
 و"إسرائيل" هو لقب يعقوب، ومعنى "إِسْرَائِيلَ" يعنى عبد الله المختار أو المصطفي، لأن "اسرا" في اللغة العبرية يعنى: العبد المختار أو المصطفي، و"ايل" في اللغة العبرية يعنى الله، اذن فاسرائيل تعنى عبد الله المختار أو المصطفي 
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
ودائمًا نجد النداء في القرآن لليهود بقول الله تعالى "يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ" وهذا النداء فيه تأليفًا لقلوب اليهود، وفيه تقريع وتوبيخ لليهود في نفس الوقت 
ففيه أولًا تأليف لقلوب اليهود، لأن الله تعالى ينسبهم الى نبي الله "يعقوب" عليه السلام
كما كان يقال لآل البيت –مثلًا- يا: ابن رسول الله، أو: يا ابن بنت رسول الله
 وأيضًا لأن يعقوب هو ابن اسحق، وابراهيم أنجب اسحق واسماعيل، فاسماعيل –وهو أبو العرب- هو عم يعقوب، اذن فاليهود هم أبناء عمومة العرب
وفيه –كذلك- تقريع لليهود، كما تعاتب أحد وتقول له: يا ابن فلان، يعنى كيف يصدر منك هذا الفعل القبيح وأنت ابن الرجل الصالح فلان
أو: يا ابن الشيخ، كيف تشرب الخمر ؟ كيف ترتشي ؟ كيف كذا ؟ 
فالمعنى: ألا تخجل أنت ابن الشيخ فلان
وكما قالت اليهود للسيدة مريم (يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا)  
اذن تناديه بالإسم الذي يقرعه اذا كان مخالفا لما نودي به
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
(يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ) كلمة "نعمة" مفردة" ولكن تشمل كل نعمة، كقول الله تعالى (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا) ولم يقل (وَإِنْ تَعُدُّوا نعم اللَّهِ)
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
قوله تعالى (اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ)
والذكر أنواع، أول نوع هو الذكر بالقلب، والمقصود بهذا الذكر هو ضد النسيان
وهناك ذكر باللسان، حتى تنبه الغافل
وهناك ذكر بالجوارح، وهو شكر الله تعالى على النعم، وذلك بالعمل على طاعته واجتناب نواهيه
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
يقول تعالى (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ) 
ونعم الله تعالى التى أنعم بها على بنى اسرائيل، أنه تعالى اصطفي منهم الرسل، وأنزل عليهم الكتب، وأنقذهم من عبودية فرعون وقومه، ثم مكن لهم في الأرض، وفجر لهم عيون الماء من الحجر، وأنزل عليهم المن والسلوي، وظلل عليهم الغمام
وأعظم نعمة أنعم الله تعالى بها على بنى اسرائيل هي نعمة الدين، وكل ما عداها من نعم تبع لها 
وهذه النعم حتى لو كانت لأجدادهم فهي قد وصلت اليهم، فلو لو ينقذهم الله تعالى –مثلًا- من عبودية فرعون وقومه، لكانوا حتى نزول القرآن لا يزالون عبيدًا عند المصريين
اذن فالنعم التى أنعم الله تعالى بها على أجدادهم قد وصلت اليهم، وستصل أيضًا الى أبنائهم وأحفادهم
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
وانظر هنا الى الدقة الأدائية في القرآن 
عندما خاطب الله تعالى "بَنِي إِسْرَائِيلَ" قال تعالى (اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ) لأنهم ماديون، ومن ماديتهم أنهم قالوا (أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً)
ولكن عندما خاطب الأمة المحمدية، لم يقل (اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ) وانما قال (يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا) 
وهناك فرق بين أن يكون الإنسان مع النعمة.
وأن يكون مع المنعم.
الماديون يحبون النعمة.
وغير الماديين يحبون المنعم.
ويعيشون في معيته.

❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
 (وَأَوْفُوا بِعَهْدِي) العهد هو الميثاق بين متعاقدين 
عهد الله الذي أخذه تعالى على بنى اسرائيل في التوراة، أن يبيِّنوا للناس أن محمد -صلى الله عليه وسلم- مكتوبًا عندهم في التوراة أنه نبيّ الله، وأنه خاتم الأنبياء والمرسلين، وأن يؤمنوا به ويتبعوه 
يقول تعالى (يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ) 
ولذلك يقول "عبد الله بن سلام" الذي كان يهوديا فاسلم : لقد عرفته حين رأيته كا أعرف ابني ومعرفتي لمحمدأشد .
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
(أُوفِ بِعَهْدِكُمْ) وعهدُه تعالى إياهم أنهم إذا فعلوا ذلك أدخلهم الجنة
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
(وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ) الرهبة هي شدة الخوف والفزع
يعنى: وإياي فاخْشَوْا، أن تحل عليكم عقوبتى، كما نزلت العقوبة على من كان قبلكم من آبائكم من النقمات كالمسخ وغيره
والخوف يكون على قدر قوة مصدر هذا الخوف
فمصدر الفزع هو الذي يحدد قوة الفزع
فاذا كان المفزع هو الله، فلابد أن يكون الخوف والفزع شديدًا
وهذا انتقال من الترغيب إلى الترهيب، لأننا قلنا من قبل أن من الناس من يصلح معه الترغيب أكثر من الترهيب،، والبعض لا يصلحه الا الترهيب 
 فالحق –سبحانه وتعالى- يقول: من لم يأتي رغبا فليأتي رهبا