Untitled Document

عدد المشاهدات : 1897

الحَلَقَة (40) مِن "تَدَبُر القُرْآن العَظِيم" تدبر الآية (45) و(46) من سورة البقرة (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (45) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاَقُواْ رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ

تدبر القُرْآن العَظِيم

الحلقة الأربعون

❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇

تدبر الآيتين (45) و(46) من سورة البقرة

❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇

وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (45) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاَقُواْ رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (46)

❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇

قلنا أن الحق –سبحانه وتعالى- أمر بنى اسرائيل في الآيات السابقة بعدة أوامر، فأمرهم تعالى بالوفاء بعهده اليهم بأن يأمنوا بالرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وألا يلبسوا الحق بالباطل ويكتموا الحق وهم يعلمون، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، وألا يأمروا الناس بالبر وينسون أنفسهم

وملخص هذه الأوامر هي الإيمان بالرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-

وهذا الإيمان بالرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ليس بالشيء البسيط، لأنه سيترتب عليها النزول عن القيادة والرياسة الدينية، وسيترتب عليها ضياع المنافع والمكاسب المادية التى يحصل عليها العلماء والأحبار 

ولأن الإيمان بالرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ليس بالشيء البسيط، فقد أرشد الله تعالى بنى اسرائيل كيف يستعينون على تحقيق هذا الأمر، فقال تعالى (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ) 

❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇

ومعنى اسْتَعِينُوا: اطلبوا العون

لأن مادة: الألف والسين والتاء تأتي بمعنى الإستعانة، فحين نقول: استسقي يعنى طلب الماء، واستطعم فلان يعنى طلب منه الطعام، استخار: طلب الخير

وقوله (اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ) تدل –كما قلنا- على أن هناك مشقة ستنالهم من تحمل منهج الله والإيمان بالرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وهذه المشقة تحتاج الى الصبر 

وهذه المشقة –كما قلنا- هي مشقة فقدان الزعامة الدينية في الجزيرة والتى كانوا يتمتعون بها، والمزايا المادية التى كان يتمتع بها أحبارهم وعلمائهم

فأمرهم الله –عز وجل- على أن يستعينوا على هذه المشقة بالصبر وبالصلاة 

❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇

وكما قلنا من قبل "العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب" فالخطاب لبنى اسرائيل، ولكن نحن أيضًا معنيين بهذا الخطاب

فالحق –سبحانه وتعالى- يدلنا في هذه الآية على هذه الروشتة الإيمانية العلاجية، وهي أن نستعين على طلب الآخرة، وعلى البلايا بأمرين اثنين وهما: الصبر والصلاة

ولذلك روي أن الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كان اذا حزبه أمر فزع الى الصلاة

ورأينا كيف كان الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في أحرج اللحظات بلجأ الى الصلاة

في غزوة بدر –مثلًا- يقول على – "لقد رأيتنا ليلة بدر وما فينا إلا نائم غير رسول الله يصلي ويدعو حتى أصبح"

وفي غزوة الأحزاب يقول حذيفة –رضى الله عنه- " رجعت إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الأحزاب وهو مشتمل في شملة يصلي وكان إذا حزبه أمر صلى."

وروري أن ابن عباس كان في سفر، فوصله خبر ان أخيه (قُثَم) قد مات، فقال "انا لله وانا اليه راجعون" ثم أناخ بعيره، وتوضأ وصلى ركعتين، فأطال فيهما، ثم قام يمشيى الى راحلته وهو يقول (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ)  

❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇

قيل أيضًا في (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ)

أن المقصود بالصلاة هنا هو الدعاء، لأن من معاني "الصلاة" الدعاء، فالمعنى واستعينوا على قضاء حوائجكم وعلى البلايا بالصبر والإلتجاء الى الدعاء والإبتهال الى الله تعالى

❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇

 

وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ على الْخَاشِعِينَ

 (كَبِيرَةٌ) أي ثقيلة وشاقة

مثل قوله تعالى: كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ ، أي: ثقل.

ومثل قوله تعالى ) وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ) يعنى ثقل 

وكما يقولون (كبر عَلَيَّ هذا الأمر)

و "الْخَاشِعِينَ" أي الخاضعين والمتواضعين والمتذللين والمطيعين لله تعالى 

❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇

ما المقصود بـ "وَإِنَّهَا"

 (وَإِنَّهَا) هي منهج الله تعالى والإيمان بالرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فهذا الإيمان كبير وثقيل الا "عَلَى الْخَاشِعِينَ" أي الخاضعين والمتواضعين والمتذللين والمطيعين لله تعالى 

أو أن (وَإِنَّهَا) عائدة على الصلاة، لأنها أقرب مذكور؛ والقاعدة في اللغة العربية أن الضمير يعود إلى أقرب مذكور

وهذه الصلاة تكون ثقيلة الا على الخاشع فقط

وقلنا من قبل أن الخشوع هو أن تستحضر كل كلمة تنطق يها في الصلاة الى ذهنك

فالذي يصلى بلا خشوع تكون الصلاة ثقيلة عليه، حتى لو صلى في دقيقة واحدة

أما الخاشع فهما طالت الصلاة به فهو يشعر أنها خفيفة

 قال الفضيل بن عياض - رحمه الله - : إني لأستقبل الليل من أوله فيهولني طوله فأفتتح القرآن فأُصبح وما قضيت نهمتي (أي ما شبعت من القرآن والصلاة (

❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇

يقول تعالى (الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاَقُواْ رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ)

يخبرالله تعالى أن الذين وصفهم بالخشوع، أنهم " الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاَقُواْ رَبِّهِمْ" 

لماذا ؟ وما علاقة الخشوع باليقين بلقاء الله تعالى ؟

لأن الذي يتيقن لقاء الله تعالى يوم القيامة، لابد أن يكون خاشعًا لله في الدنيا خاضعًا له متواضعًا له متذللًا مطيعًا

❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇

والسؤال هو كيف يصف الله تعالى الذين وصفهم بالخشوع بأنهم "يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاَقُواْ رَبِّهِمْ" مع أن الظن: شك، والشاك في لقاء الله يعتبر كافر 

نقول أن معنى الظن هنا هو اليقين

كما قال تعالى في سورة الكهف (وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا (

وقوله تعالى )إني ظننت أني ملاق حسابيه(

وكانت العرب كثيرًا ما تسمي نفس الشيء بضده

فكانت تسمي "المستغيث" مثلًا "صارخًا" وتسمي في نفس الوقت "المغيث" "صارخًا"

والأمثلة على ذلك من أشعار العرب وكلامها كثيرة

❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇

والسؤال الثاني: لماذا لم يقل تعالى الذين "يتيقنون" بدلًا من "يَظُنُّونَ" حتى يكون المعنى واضحًا

نقول أن االله تعالى يشير الى أن مجرد الظن أنك ستلقي الله تعالى يوم القيامة فلابد أن تتبع منهجه، فما بالك لو كان يقينًا

مجرد الظن أنك ستلقي الله تعالى يوم القيامة، كان يجب أن تحتاط لهذا الأمر 

 

فلو كنت مسافرًا مثلًا، وتريد أن تصحب معك سلاحًا، وقال لك أحدهم أن هذا الطريق آمن، فيتقول له أصحب معي السلاح احتياطًا، يعنى مجرد الشك أن تتعرض لقاطع طريق، جعلك تحتاط لهذا الأمر وتصحب معك سلاحًا

فاذا كنا نحتاط لأمور دنيوية، وهذه الأمور لا تساوي شيئا بالنسبة لأهوال يوم القيامة.

ونحن نحتاط لأحداث دنيوية 

أن الظن هنا بأننا سنلاقي الله تعالى يكفي لأن نعمل له ألف حساب.

وكذلك مجرد الشك أنك ستلقي الله تعالى،  لابد أن نحتاط له الحيطة الكبري، وأن نعمل له ألف حساب، لأن هذا الأمر يترتب عليه اما خلود في الجنة، أو خلود في النار،  فهذا الشك كافيًا لإتباع منهج الله

كما قال المعري

قالَ المَنجّمُ والطّبيبُ كِلاهما            لا تُحشَرُ الأجسادُ؛ قلتُ: إليكما

إن صَحّ قولُكما، فلستُ بخاسرٍ         أو صَحّ قولي، فالخَسارُ عليكما

❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇

(وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ)

يقول تعالى أن كل مرجعنا اليه تعالى

وما دمنا قد جئنا من عنده فلابد أن نعود اليه

❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇