Untitled Document

عدد المشاهدات : 1971

الحلقة (54) من "تدبر القُرْآن العَظِيم" تدبر الآية (60) من سورة البقرة (وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِ

 تدبر القُرْآن العَظِيم

الحلقة الرابعة والخمسون
تدبر الآية (60)  من سورة البقرة
 ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇

 (وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (60))

 ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇

 

(وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ) يعنى واذكروا يا بنى اسرائيل إِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ
وهذا هو الإنعام التاسع من الإنعامات المعدودة على بني إسرائيل، بعد الإجمال في قوله تعالى في الآية (47) ( يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ)
وقد ذكر الله تعالى في آية سابقة أنه تعالى في سنوات التيه الأربعون ظلل على بنى اسرائيل الغمام ليقيهم من حر الشمس، ثم ذكر في آية سابقة أنه تعالى أنزل عليهم المن والسلوي، ويتحدث في هذه الآية عن نعمة الماء السهل واليسير في هذه البيئة الصحراوية الصعبة
لأن أول مشكلة تقابل الإنسان في الصحراء هي الماء، لأن الإنسان لا يستطيع أن يعيش بدون ماء أكثر من ثلاثة أيام، وفي حالة درجة الحرارة العالية أو بذل الجهد قد لا يستطيع أن يعيش بدون ماء الا بضع ساعات
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇

 

يقول تعالى (وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ) يعنى طلب مُوسَى السقيا لقومه، لأن الألف والسين والتاء تأتي بمعنى الطلب، مثل: استنصر، استصرخ، استجار، استخار، استطعما
 ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇

 

 (فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ) 
عصا موسى قيل أنها عصا من الجنة، ووقيل أنها كانت على قدر طول موسي
وعصا موسى فيها ثلاثة آيات عظيمة
أولاً: أنه يلقيها، فتكون حية تسعى، ثم يأخذها، فتعود عصا، وفي المواجهة مع السحرة، ألقوا حبالهم وعصيهم، فخيل للناس أنها حيات، فلما ألقي موسى عصاه اذا هي تلقف ما يأفكون
ثانيًا: أنه ضرب بها البحر فانفلق؛ فكان كل فرق كالطود العظيم، ثم ضربه مرة أخري، فعاد الماء الى سيولته، وغرق فرعون وجنوده
ثالثًا: أنه يضرب بها الحجر، فينفجر عيوناً من الماء
 ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇

 

قيل أن "بنى اسرائيل" كانوا يحملون معهم حجرًا مربعًا من جبل الطور، وقيل أنه حجر من رخام، فكانوا يحملونه على ثور، وقيل أنه كان على قدر راس الثور، وقيل أنه على قدر رأس الإنسان، فاذا نزلوا منزلًا، وضع هارون الحجر بيديه، وضربه موسى بعصاه، فتنفجر اثنا عشر عينًا، في كل ناحية منه ثلاث عيون، لكل سبط عين، فاذا فرغوا ضربه بعصاه مرة أخري فيمسك
وقيل أنه كان يضرب أي حجر فتنفجر منه اثنى عشر عينا، وهذا أقوي في المعجزة
 ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇

 

وهذا هو الأقرب للمنطق، لأن أعداد بنى اسرائيل كانت كبيرة، وقد قلنا أن عددهم عندما خرجوا من مصر ستمائة الف، فهناك اذن صعوبة شديدة جدًا ومشقة، بل واستحالة، أن تشرب كل هذه الأعداد من حجر مربع محدود الحجم، الا اذا كانت هذه العيون –كما ذكر البعض- تسيل جداول يشربون منها 
 ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇

 

(فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا)
(عَشْرَةَ) أكثر القراء وهو الأخف بسكون الشين، وهناك قراءة بكسر الشين، وقراءة بفتح الشين
(فَانْفَجَرَتْ) يعنى فانشقت
لأن الإنفجار هو الإنشقاق، ولذلك سمي الفجر فجرًا لإنشقاق الضوء من الظلام
 (اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا) "العين" هي منبع الماء، وكلمة "العين" من عين الإنسان، لخروج الماء منها، كما يخرج الدمع من عين الإنسان
 ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇

 

 (قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ) كما قلنا أن لكل سبط عين، والأسباط في بني إسرائيل كالقبائل في العرب، وهم ذرية الاثني عشر أولاد يعقوب عليه السلام.، لأن كلمة سبط هو الحفيد، وقد قال يوسف (اني رأيت أحد عشر كوكبًا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين) فالأحد عشر كوكبًا هم اخوته، وهو –عليه السلام- يكون المجموع اثنى عشر
 ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇

 

(قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ)
كيف علم كل سبط الماء الخاص به ؟
قيل أن كل عين تسيل في جدول وتتجه  إلى السبط الخاص به
وقيل أنه كان يَقُومُ مِنْ كُلِّ سِبْطٍ رَجُلٌ، وَيَضْرِبُ مُوسَى الْحَجَرَ فَيَنْفَجِرُ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا، فَيُنْتَضَحُ مِنْ كُلِّ عَيْنٍ عَلَى رَجُلٍ، فَيَدْعُو ذَلِكَ الرَّجُلُ سِبْطَهُ إِلَى تِلْكَ الْعَيْنِ
ويمكن –ببساطة- أن يحدد موسى كل سبط العين الخاصة به
 ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇

 

وقوله تعالى (قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ) تذكير بتمام نعمة الله تعالى عليهم في توفير الماء لهم، انه تعالى قسم هذا الماء بينهم
لأن أعداد بنى اسرائيل كبيرة، وحاجة الإنسان في الصحراء الى الماء حاجة شديدة، فاذا وجد هذا الماء فقد يحدث النزاع على هذا الماء والتشاجر ثم الفتن والقتال بين الأسباط، وهناك حروب بين الدول تنشأ بسبب المياه، وهناك بعض الكتاب من يتنبأ بأن الحرب العالمية الثالثة ستكون بسبب المياه
الفتنة الوحيدة التى كانت بين المهاجرين والأنصار في عهد رسول الله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كانت بسبب المياه، عندما اختلف رجل من المهاجرين مع رجل من الإنصار على أسبقية السقيا من أحد الآبار، وكان ذلك في غزوة "بنى المصطلق" فَقَالَ الْمُهَاجِرِيُّ "يَالِلْمُهَاجِرِينَ" وَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ يَالِلْأَنْصَارِ،  فَسَمِعَ ذَلِكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ "مَا بَالُ دَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ" قَالُوا: حدث كذا وكذا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- "دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ"
اذن فمن تمام نعمة الله تعالى على "بنى اسرائيل" بعد أن فجر لهم عيون الماء من الحجر في الصحراء القاحلة، أنه تعالى –برحمته- لم يتركهم يتنازعون الماء بينهم، وقد يصل هذا التنازع الى حد القتال بين الأسباط الإثنى عشر، بل أتم الله تعالى نعمته عليهم بأن قسم هذا الماء بينهم، فجعل لكل سبط منهم أي لكل قبيلة منهم الماء الخاص بهم، والعادة في القبيلة الواحدة ألا يقع بينهم من التنازع ما يقع بين القبائل المختلفة
 ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇

 

 (كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ)
(كُلُوا وَاشْرَبُوا) أي كلوا من المن والسلوي، وأشربوا من عيون الماء، والأمر على سبيل الإباحة
(مِنْ رِزْقِ اللَّهِ) نسب الله تعالى الرزق الى نفسه، مع أن كل رزق من الله، لأنه رزق يأتيهم بلا تعب ولا مشقة
(وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ) 
(وَلَا تَعْثَوْا) العيث هو شدة الفساد
واذا كان (العيث) هو شدة الفساد، فما سبب قوله تعالى بعدها (مُفْسِدِينَ) 
لأن "بنى اسرائيل" اذا أفسدوا في الأرض فان فسادهم يكون كبيرًا وشنيعًا، وبرغم قلة أعداهم الآن –مثلًا- فانهم سبب الحروب في العالم، وتجارة السلاح، وسبب الدعارة والمخدرات والشذوذ والقمار، وكل فساد في العالم أصله هم اليهود
اذن فمعنى فقوله تعالى (وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ) يعنى ولا تسعوا في الأرض مفسدين فسادًا شديدًا
 ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇

 

ما علاقة قوله تعالى (كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ) بقوله تعالى (وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ)
تذيل الآية يضع قاعدة عامة في التعامل مع نعم الله تعالى علينا
لأن كثير من الناس يكون في معصية، ثم تصيبه مصيبة، فيعود الى الله تعالى ويدعوه ويتضرع اليه، فاذا كشف الله تعالى ما به من ضر، عاد الى ما كان فيه من معصية، يقول تعالى (وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَىٰ ضُرٍّ مَّسَّهُ ۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ )
وكثير من الناس تفسده النعمة، كمن تفسده نعمة الماء أو نعمة الجاه، أو نعمة الصحة، أو تفسدها نعمة الجمال وهكذا
ولذلك بعد أن ذكر الله تعالى نعمته على "بنى اسرائيل" بالمن والسلوي بعد ما كانوا في من جوع، ونعمته على "بنى اسرائيل" بتفجير عيون الماء بعد ما كانوا فيه من عطش، ونعمة أن ظلل عليهم الغمام بعد ما كانوا فيه حر الشمس، قال تعالى (كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ) على سبيل الإباحة، ثم قال (وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ) يعنى لا تجعلوا نعمة الله عليكم تنسيكم شدة حاجتكم وشدة افتقاركم الى المنعم، فينتهي بكم الحال الى الإفساد في الأرض
 ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇

 

يقول تعالى في سورة الأعراف (وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ ۖ فَانبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا) جزء من الآية 160
اذن ففي سورة الأعراف يقول تعالى (فَانبَجَسَتْ) وفي البقرة يقول تعالى (فَانْفَجَرَتْ)
انفجر: خروج الماء الكثير، تدفق بالماء
انبجس: خروج الماء القليل، بداية خروج الماء، كما نقول في لغتنا الدارجة "ندعت"
وقد قلنا من قبل أن هذا من بلاغة القرآن لأن من تفنن البليغ أن يذكر الشيء الواحد بأساليب متعددة دون أن يكون بينها تناقض
ولكن ليس هذا فحسب، ولكن كل اختلاف يعطيك جانبًا من جوانب الصورة حتى تكتمل الصورة عند قاريء القرآن
فعندما يضرب موسي الحجر بعصاه يظهر الماء قليلًا، ثم يكثر بعد ذلك
لأن الماء اذا خرج كثيرًا دفعة واحدة فان الإنسان يفقده، ولكن اذا بدأ قليلًا ثم زاد بعد ذلك، يكون قد احتاط لاستقبال هذا الماء الكثير
ولمذا ذكر الله تعالى "الإنبجاس" في "الأعراف" ثم ذكر "الإنفجار" في "البقرة" ؟
لأن الأعراف مكية والبقرة مدنية، فالأعراف نزلت قبل البقرة، فذكر الله تعالى "الإنبجاس" في "الأعراف" ثم ذكر "الإنفجار" في "البقرة" لأن "الإنبجاس" يكون ثم يكون "الإنفجار" بعد ذلك

*********************************

لمطالعة بقية الفصول- اضغط هنا

لمشاهدة الحلقات فيديو- اضغط هنا

 *********************************