Untitled Document

عدد المشاهدات : 1087

الحلقة (91) من تدبر القُرْآن العَظِيم تدبر الآيات من (145) الى (147) من سورة البقرة (وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آَيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئ

 تدبر القُرْآن العَظِيم

الحلقة الحادية والتسعون
تدبر الآيات من (145) الى (147) من سورة البقرة
(وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آَيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (145) الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (146) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (147) 
 

❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آَيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (145) 
(وَلَئِنْ) موطئة للقسم، اذن هناك قسم مضمر، كأنه تعالى يقول: والله لَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ 
(الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ) وهم اليهود والنصاري
(بِكُلِّ آَيَةٍ) أي بكل دليل على أن القبلة الحق هي الكعبة الشريفة، وجئتهم بكل دليل على أنك رسول من الله، وجئتهم بالآيات والمعجزات التى طلبوها، لأن اليهود في المدينة ونصاري نجران طلبوا آيات ومعجزات معينة
(مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ) يعنى ما آمنوا بك، لأنهم ليسوا باحثين عن الحقيقة، وانما هم في موقف حسد وعند ومكابرة، ولو كانوا في موقف بحث عن الحقيقة لآمنوا بك، لأن صفتك مذكورة في كتبهم بمنتهي الدقة، بل مذكور في كتبهم أنك ستصلى الى قبلتين
والآية فيها تهدئة وتسلية للرسول -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لأن الرسول -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كان حريصًا على ايمان اليهود والنصاري، بل كان -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يطمع أن يكونوا أول من يؤمن به، ويدعون الناس للإيمان به لأن صفته -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مذكورة في كتبهم بمنتهي الدقة
فكأن الله تعالى يقول للرسول -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أن عدم ايمانهم بك ليس تقصيرًا منك فى الدعوة، ولو جئتهم بكل الآيات والمعجزات ما آمنوا بك، لأنهم لا يريدون الحقيقة وانما موقفهم قائم على العند والمكابرة
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
(وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ) هنا يطمئن الله تعالى نبيه -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ويطمئن المؤمنين به الى أنه لا عودة لقبلة بيت المقدس مرة أخري، لأنه ربما بعد أن عرف المسلمون أن النسخ أمر وارد في الشريعة، ربما خشوا أن تنسخ قبلية الكعبة مرة أخري ويعودون الى قبلة صخرة بيت المقدس، فيطمئنهم الله تعالى الى أنه لا نسخ مرة أخري في موضوع القبلة
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
(وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ) تسلية  للرسول -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أن اليهود والنصاري وان كانوا من سلاسة نبي واحد وهو يعقوب –عليه السلام- الا أن لكل منهم قبلة مختلفة عن الآخر، فاليهود يتجهون في قبلتهم الى بيت المقدس، والنصاري يتجهون الى جهة المشرق
فاذا كانوا مختلفون فيما بينهم في القبلة، فكيف يتبعونك في قبلتك
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
(وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ) المقصود بأَهْوَاءَهُمْ هنا العودة الى قبلة بيت المقدس، لأنهم قالوا (لو ثبت على قبلتنا لكنا نرجو أن يكون صاحبنا الذي ننتظره) فكأنهم يحاولون خداع الرسول -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بأنه اذا عاد الى قبلتهم فسيؤمنون به 
(مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ) أي من الوحي والقرآن
(إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ) أي الظَّالِمِينَ لنفسك
وقد قال المحققون أن الخطاب هنا للنبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ولكن المقصود به أمته، لأن الرسل معصومون من مثل هذا
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
يقول الإمام "محمد عبده" في تفسيره "المنار" أن هذه الآية فيها وعيد لمن يُحَاوِلُ اسْتِرْضَاءَ النَّاسِ بِمُجَارَاتِهِمْ عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْبَاطِلِ، حتى لو كان الغرض صحيح 
كَأَنَّهُ تعالى يَقُولُ: إِنَّ هَذَا ذَنْبٌ عَظِيمٌ لَا يُتَسَامَحُ فِيهِ مَعَ أَحَدٍ، حَتَّى لَوْ فُرِضَ وُقُوعُهُ مِنْ أَكْرَمِ النَّاسِ عَلَى اللهِ تَعَالَى وهو الرسول -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-  لَسَجَّلَ عَلَيْهِ الظُّلْمَ.
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (146) 
(الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ) وهم علماء اليهود والنصاري
(يَعْرِفُونَهُ) أي يعرفون -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-
(كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ) كَمَا يميزون أَبْنَاءَهُمْ بين الصبيان، لأن صفته -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مذكورة في كتبهم بمنتهي الدقة
وانظر الى دقة التعبير القرآني، لأن الانسان ينظر الى ابنه أكثر مما ينظر الى نفسه، فالانسان ينظر الى أولاده أكثر مما ينظر الى نفسه في المرآة، وينظر الى ابنه بعد دقائق من ولادته، بل ينظر اليه قبل ولادته –الآن- عن طريق الأشعة ثلاثية الأبعاد
وينظر الأب والأم الى ابنه –أحيانًا- وهو ليس في حاجة الي النظر اليه، بل ينظر اليه لأنه يستمتع بالنظر اليه
وقد روي أن عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قال لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ، وكان "عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ" من أحبار اليهود الذين أسلموا، فقال له عُمَرُ : إِنَّ اللَّهَ تعالى قد قال (الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ) فَكَيْفَ هَذِهِ الْمَعْرِفَةُ؟ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: يَا عُمَرُ لَقَدْ عَرَفْتُهُ حِينَ رأيته كما أعرف ابْنِي، وَمَعْرِفَتِي بِمُحَمَّدٍ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَشَدُّ مِنْ مَعْرِفَتِي بابني، أي أننى متأكد من نبوة محمد -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أكثر من أمر ابنى، فقال عمر: وكيف ذَلِكَ؟ فَقَالَ: ان نعت رَسُولُ اللَّهُ فِي كِتَابِنَا، فَأَمَّا وَلَدِي فَلَعَلَّ وَالِدَتَهُ خَانَتْ، فقام عُمَرُ وقبل رأس "عَبْدِ اللَّهِ ابْنَ سَلَامٍ" 
(وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ) لأن هناك من آمن وان كانوا قلة، مثل :عبد الله بن سلام و كعب الأحبار ومخيرق، من أحبار اليهود، وَتَمِيمٍ الدَّارِيِّ مِنْ عُلَمَاءِ النَّصَارَى.
(وَهُمْ يَعْلَمُونَ) أي وهم يعلمون أنه -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حق، وأنه النبي المذكور في كتبهم
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (147) 
الحق يا محمد في أمر القبلة هو ما أعلمك به ربك لا ما يقوله لك اليهود، فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ أي  فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الشاكين المترددين من أن القبلة الحق هي الكعبة الشريفة
والخطاب للرسول -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- والمراد به أمته
لأن الشك يستحيل في حق الرسول -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-
كما قال تعالى ( وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) فانه يستحيل الإشراك في حق رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ولكن المقصود هو خطاب الأمة من خلال الرسول -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-
معنى آخر أن الحق من الله سبحانه وتعالى، ومادام من الله فلا تكونن من الذين يشكون في أن الحق سينتصر.