Untitled Document

عدد المشاهدات : 2743

الحلقة (111) من تدبر القُرْآن العَظِيم تدبر الآية (186) من سورة البقرة وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186

 تدبر القُرْآن العَظِيم

الحلقة الحادية عشر بعد المائة
تدبر الآية (186) من سورة البقرة
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ 
وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186) 
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
هذه الآية الكريمة عن الدعاء جائت في وسط الحديث عن أحكام الصيام، فقبل هذه الآية ثلاثة آيات تتناول احكام الصيام، ثم هذه الآية، وبعد ذلك آية أخري عن الصيام (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ.....) 
وذلك اشارة الى ارتباط الدعاء بشهر رمضان، وارتباط الدعاء بالصيام بصفة عامة، فرمضان، والصيام بصفة عامة من أرجي أوقات اجابة الدعاء
روي الترمذي من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قال رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-" ثَلاثَةٌ لا تُرَدُّ دَعْوَتُهُمْ: الإِمَامُ الْعَادِلُ، وَالصَّائِمُ حِينَ يُفْطِرُ، وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ، يَرْفَعُهَا فَوْقَ الْغَمَامِ، وَتُفَتَّحُ لَهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَيَقُولُ الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ: وَعِزَّتِي لأَنْصُرَنَّكِ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ".
و"دَعْوَةُ الصَّائِمِ" هي أعم الثلاثة، لأن الشخص قد يكون من العامة وليس امامًا، وقد لا يكون مظلومًا، اذن تبقي دعوة الصائم.
وهذا الحديث الصحيح يقول الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- "الصَّائِمُ حِينَ يُفْطِرُ" أي وقت الإفطار، وفي حديث آخر "الصَّائِمُ حتى يُفْطِرُ" أي طوال فترة الصيام
ولذلك علينا الاجتهاد في الدعاء، في شهر رمضان بصفة عامة، وأثناء الصيام، ووقت الإفطار، فكل هذه أوقات من أرجي أوقات اجابة الدعاء، كما كان يفعل "عبد الله بن عمرو" إذا أفطر جمع أهله وولده ودعا.
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
ومادة "السؤال" وردت في القرأن العظيم (13) مرة،  وهذا الأسلوب في الْفَتْوَى ينبه الْأَذْهَانِ
 واذا بحثنا في الجواب على مادة السؤال نجد أنه يأتي على ثلاثة أوجه:
الوجه الأول، وهو الأغلب أن يأتي الجواب بقوله تعالى (قُلْ) وكان ذلك في (11) موضع (يَسأَلونَك عن الأهلة قُلْ هي مواقيت للناس والحج) (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ العفو) (سْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قنال فيه كبير) (يَسْأَلُونَكَ عن الخمر والميسر قل فيهما أثم كبير....) (ويَسْأَلُونَكَ عن اليتامي قل اصلاح لهم خير) (ويَسْأَلُونَكَ عن المحيض قُلْ هو أذي) (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ ۖ قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ) (ويَسْأَلُونَكَ عن الروح قل الروح من أمر ربي) (ويَسْأَلُونَكَ عن ذي القرنين قُلْ...) 
الوجه الثاني: في موضع واحد فقط جاء الجواب (فَقُلْ) وهي قول الله تعالى في سورة طه (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا)
لأن جميع الأسئلة السابقة كانوا قد سألوا الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عليها فعًلا، أما السؤال عن الجبال لم يكونوا قد سألوه للرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وقت نزول الآية، ولكنه تعالى يخبر رسوله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أنهم سيتوجهون اليه بهذا السؤال، وأعطاه الإجابة قبل السؤال، ولذلك قال في هذا الموضع (فَقُلْ)
الوجه الثالث: هو في هذه الآية، جاء الجواب مباشرة، دون قوله تعالى (قُلْ) 
يعنى ليس الجواب بلسانك يا محمد، برغم أن الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- هو السفير بين الله تعالى وبين الخلق 
ولكنه الله تعالى هو الذي تولى الإجابة بنفسه، وذلك  حتى يشير الى شدة قربه من عباده، وأنه لا واسطة بين العبد وربه كما في التحريفات في الأديان الأخري، فلم يقل للرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قل كذا وكذا، وانما قال (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ)
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
روي فِي سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ: أَنَّ أَعْرَابِيًّا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: أَقَرِيبٌ رَبُّنَا فَنُنَاجِيهِ، أَمْ بَعِيدٌ فَنُنَادِيهِ؟ فَسَكَتَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ولم يرد عليه، حتى أَنْزَلَ اللهُ تعالى هذه الْآيَةَ.
لأن العرب كانت تعبد الأصنام، وكانوا مع عبادتهم الأصنام يؤمنون بوجود الله تعالى، ولكن كانوا يعبدون الأصنام لأنها –في اعتقادهم- واسطة بينهم وبين الله تعالى، كما قال تعالى (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى) أي رتبة ومنزلة (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ) فلما جاء الإسلام وحرم عبادة الأصنام، استوعب الصحابة هذه القضية، واستوعبوا صفات الله تعالى من العلم والسمع والبصر والإحاطة وغير ذلك، أما بعض الأعراب فلم يستوعب القضية كاملة، ولذلك ترك هذا الأعرابي باديته وجاء الى الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ليسأله هذا السؤال الهام: الآن يا رسول الله ليس هناك الصنم الذي كنا نعتقد في جاهليتنا أنه واسطة بيننا وبين الله سبحانه وتعالى، فما هي الآن الواسطة التى بيننا وبين الله تعالى، واذا أردت أن أتحدث اليه، أو أن أدعوه، فهل أرفع صوتي حتى يسمعنى، أما اذا خفضت صوتي يمكنه أن يسمعنى
فجاء الجواب من الحق –سبحاته وتعالى- مباشرة (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ)
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
روي أن المسلمون في أثناء عودتهم فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ، كانوا يدعون ويذكرون الله بِصَوْتٍ مرتفع، فقال لهم النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- "أَيُّهَا النَّاسُ ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ –أي ارْفُقُوا بِأَنْفُسِكُمْ، وَاخْفِضُوا أَصْوَاتَكُمْ- إِنَّكُمْ لَيْسَ تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا إِنَّكُمْ تَدْعُونَ سَمِيعًا قَرِيبًا وَهُوَ مَعَكُمْ" 
ولذلك قال العلماء أن هذه الآية تعطينا حُكْمًا شَرْعِيًّا وَهُوَ: أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي رَفْعُ الصَّوْتِ فِي عِبَادَةٍ مِنَ الْعِبَادَاتِ، إِلَّا بِالْمِقْدَارِ الَّذِي حَدَّدَهُ الشَّرْعُ فِي الصَّلَاةِ الْجَهْرِيَّةِ
يقول الإمام "محمد عبده" مَنْ تَعَمَّدَ الْمُبَالَغَةَ فِي الصِّيَاحِ فِي دُعَائِهِ أَوِ الصَّلَاةِ عَلَى نَبِيِّهِ كَانَ إِلَى عِبَادَةِ الشَّيْطَانِ أَقْرَبَ مِنْهُ إِلَى عِبَادَةِ الرَّحْمَنِ.
من الظواهر السلبية في مساجدنا، رفع الصوت أثناء صلاة الجماعة، سواء في التسبيح أو القراءة فيشوش على جاره، أو من يصلى جماعة ويرفع صوته، والمفروض أن يسمع فقط من يصلى خلفه، لا أن يسمع كل من في المسجد، أو الجالس لقراءة القرآن، تسمع فقط نفسك لا أن تسمع جارك، واذا كانت هناك مقرأة من يقرأ عليه أن يسمع فقط الجالسين معه في المقرأة لا أن يسمع كل المسجد ... وهكذا
 

❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
يقول تعالى (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ)
وهذا القرب ليس قرب علم فقط، ولكنه أيضًا قرب عناية، وقرب تطمين 
كما يكون هناك طفل مريض، فيقول: انت فين يا ماما ؟ فتقول له: انا جنبك يا حبيبي، أي أنا جانبك أرعاك فاطمئن، فهو قرب عناية 
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
يقول تعالى (أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ) (إِذَا دَعَانِ) 
كأن الله تعالى يقول ليس مطلوبًا منك الا –فقط- أن تدعوني، كما تقول لأحدهم، أنا تحت أمرك، فقط اتصل بي ستجدني عندك
فالله تعالى يقول ليس مطلوبًا منك الا –فقط- أن ترفع يديك، وتقول يارب
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
قوله تعالى (عِبَادِي) تعطيك شرط اجابة الدعاء 
لأن هناك فرق بين "عبيد" و"عباد" برغم أن مفرد كل منهما "عبد" 
فكل من في الأرض "عبيد" لله، ولكن ليس كل من في الأرض "عباد" لله
"العبيد" هم الذين يقهرون في الوجود بأشياء، فكلنا مقهورون بالمرض وبالموت، بل مقهورون بحاجتنا الى الطعام والشراب والهواء، ولكنهم هناك من هؤلاء العبيد من يتمرد على الله في الأمور التى أعطاه الله فيها الاختيار
فالله تعالى أمرنا بالصلاة، فيرفض الصلاة، أمره بالصيام، أمره بعدم الكذب، أمره بعدم الزنا، بل أمرنا بالإيمان به وحده فرفض الايمان بالله
أما "العباد" فهو المنقادون لله تعالى في جميع الأمور، سواء الأمور التى لا اختيار لهم فيها، أو حتى الأمور التى لهم فيها اختيار، ولذلك يقول تعالى (وَعِبَادُ الرحمن الذين يَمْشُونَ على الأرض هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً وَالَّذِينَ يِبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً)  ويقول تعالى (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ)
من يسمع هذا الكلام ويتدبر في آيات القرآن العظيم، يجد الله تعالى في سورة الفرقان يقول (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَٰؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ) اذن في هذه الآية قال تعالى (عِبَادِي) مع أنه تعالى يتحدث عن الذين أضلهم الشيطان، نقول أن هذه الآية تتناول أحد مواقف يوم القيامة، ويوم القيامة يسلب الاختيار الذي أعطاه الله تعالى للبشر، ومع سلب الاختيار للبشر يسلب لقب "العبيد" ويصبح الجميع عبادًا لله، حتى الكافر منهم   
اذن قوله تعالى (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ) كلمة (عِبَادِي) تعطيك شرط اجابة الدعاء، وهو الالتزام بالمنهج
ولذلك لما قام سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني مستجاب الدعوة. فقال -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "يَا سَعْدُ أَطِبْ مَطْعَمَكَ تَكُنْ مُسْتَجَابَ الدَّعْوَةِ" ، فالقضية ليست أن أن أدعو لك فتكون مستجاب الدعوة، فلو دعوت لك وكنت مستجاب الدعوة، فماذا يفعل من يأتي بعدك ؟ ولكن اذا أردت أن تكون مستجاب الدعوة فعليك أن تلتزم بالمنهج، وقال له "أَطِبْ مَطْعَمَكَ" لأن سعد كان تاجرًا والرزق الحلال هو عنوان للإلتزام بالمنهج، فاذا التزمت بالمنهج فستكون مستجاب الدعوة دون أن يدعو لك الرسول أن تكون مستجاب الدعوة
 

❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
ولذلك قال الله تعالى بعدها (فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي) الاستجابة في اللغة يعنى الطاعة، فقوله تعالى (فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي) أي فَلْيُطِيعُونِي، كما روي عن مجاهد وغيره
كأن الذي لم يفهم شرط الله تعالى في اجابة الدعاء حين قال (عِبَادِي) سيفهم ذلك حين يذكرها صريحة واضحة في قوله (فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي)
وجاء الله تعالى بهذا التعبير (فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي) يعنى: اذا أردت أن يستجيب الله لك، فاستجب أنت لله
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
روي  أن إبراهيم بن أدهم – رحمه الله – من كبار التابعين، مر بسوق البصرة,
فاجتمع الناس إليه, وقالوا له: يا أبا إسحاق، مالنا ندعو فلا يستجاب لنا ؟ 
قال: لأن قلوبكم ماتت بعشرة أشياء ...
الأول :
عرفتم الله ولم تؤدوا حقه !
الثـاني:
زعمتم أنكم تحبون رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وتركتم سنته !
3- قرأتم القرآن فلم تعملوا به !
4- أكلتم نعم الله ولم تؤدوا شكرها !
5- قلتم إن الشيطان عدو لكم ولم تخالفوه !
6- قلتم إن الجنة حق ولم تعملوا لها !
7- قلتم إن النار حق ولم تهربوا منها !
8- انتبهتم من النوم فاشتغلتم بعيوب الناس ونسيتم عيوبكم !
9- قلتم إن الموت حق ولم تستعدوا له !
10- دفنتم موتاكم ولم تعتبروا بهم !
 

❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
اذن شرط اجابة الدعاء الالتزام بمنهج الله تعالى
ولا يشذ عن هذه القاعدة الا حالة واحدة فقط، وهي دعوة المظلوم، فان الله تعالى يستجيب الى دعوة المظلوم ولو كان كافرًا
يقول الرسول -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-  "دعوة المظلوم تجاب من الكافر، فإن عدل الله يسع المؤمن والكافر"
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
ولكن هل يمكن أن يدعو المؤمن الملتزم بمنهج الله تعالى فلا يستجيب الله تعالى به ؟
اسمع حديث رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- 
يقول النبي -صَلَّى الله عَلَيه وسَلَّم-: مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَدْعُو بِدَعْوَةٍ، لَيْسَ فِيهَا إِثْمٌ وَلاَ قَطِيعَةُ رَحِمٍ، إِلاَّ أَعْطَاهُ اللَّهُ بِهَا إِحْدَى ثَلاَثٍ: إِمَّا أَنْ يُعَجِّلَ لَهُ دَعْوَتَهُ، وَإِمَّا أَنْ يَدَّخِرَهَا لَهُ فِي الآخِرَةِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُفَّ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ بِمِثْلِهَا، قَالُوا: إِذًا نُكْثِرُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: اللَّهُ أَكْثَرُ 
اللَّهُ أَكْثَرُ: يعنى الله أَكثرُ إحسَانًا وأكثر رَحمةً.
اذن استجابة الله تعالى للعبد تكون بأحد ثلاث: أما ان يعطيه ما طلبه، واما أن يدخر له ثواب هذا الدعاء الى يوم القيامة، وأما أن يدفع عنه بهذه الدعوة مكروهًا 
والعبد المؤمن اذا دعا الله تعالى فان الله تعالى لا يعطيه ما يطلبه، ولكن يعطيه ما يصلحه 
مثال: طالب يدعو الله أن ينجح ويدخل كلية الطب، ولكن حصل على مجموع أقل والتحق بلكية التجارة، ويوم ظهور النتيجة كان أسود يوم في حياته، ثم بعد ذلك نجح في حياته وأصبح رئيس مؤسسة كبيرة، ولو كان قد التحق بكلية الطب لكان سيصبح طبيب فاشل
اذن فلم يعطيه الله ما طلبه، وانما أعطاه ما أصلحه، فهو قد طلب أن يدخل كليةالطب ليكون انسانًا ناجحًا، فيقول تعالى نعم سأستجيب لدعائك، أنت تريد أن تكون انسانًا ناجحًا، سأدخلك كلية التجارة، لأنك لو التحقت بكلية التجارة ستكون ناجحًا، ولكن لو دخلت كلية الطب كما طلبت فستكون فاشل
فتاة تريد أن تتزوج من شخص، ودعت الله تعالى بذلك كثيرًا، ولكنها في النهاية لم يتزوجها، بل تزوج صديقتها، وكان يوم زواجه أسوأ يوم في حياتها، نقول أنت دعوت أن تتزوجي من هذا الشاب لأنك تريدين حياة زوجية مستقرة وسعيدة، والله تعالي يعلم أن هذا لن يكون مع هذا الشاب، ولذلك سأستجيب لدعائك ، وسأصرفه عنك، وأزوجك من يحقق لك السعادة التى دعوت بها
يقول تعالى في ذلك (وَيَدْعُ الإنسان بالشر دُعَآءَهُ بالخير وَكَانَ الإنسان عَجُولاً)
وقد يؤخر الله تعالى الأجابة لأنه تعالى يحب أن يسمع صوت عبده، ولذلك ورد في الخبر أن العبد قد يدعو الله وهو يبغضه، فيقول الله تعالى: يا جبريل اقض لعبدي هذا حاجته وعجلها فإني أكره أن اسمع صوته، وان العبد ليدعو الله وهو يحبه: يا جبريل اقض لعبدي هذا حاجته وأخِّرها فإني أحب أن اسمع صوته
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
ولذلك قال تعالى (وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ)
 
 (وَلْيُؤْمِنُوا بِي) أي يؤمنوا أنه تعالى اله عليم حكيم، ومن علمه وحكمته تعالى أنه سيعطي كل سائل الخير الذي يناسبه
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
ثم يقول تعالى (لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) وقرأت (لَعَلَّهُمْ يَرْشَدُونَ) لفتح الشين، وقرأت (يَرْشِدُونَ) بكسر الشين، أي لعلهم يصلون بذلك الى طريق الرشد والى طريق الخير والصواب
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
نختم بحديث الرسول -صَلَّى الله عَلَيه وسَلَّم- عن كَعْبَ الْأَحْبَارِ قَالَ: أُعْطِيَتْ هَذِهِ الْأُمَّةُ ثَلَاثًا لَمْ تُعْطَهُنَّ أُمَّةٌ قَبْلَهُمْ إِلَّا نَبِيٌّ: كَانَ إِذَا أُرْسِلَ نَبِيٌّ قِيلَ لَهُ: أَنْتَ شَاهِدٌ عَلَى أُمَّتِكَ، وَقَالَ تَعَالَى لِهَذِهِ الْأُمَّةِ: (لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) وَكَانَ يُقَالُ لِلنَّبِيِّ : لَيْسَ عَلَيْكَ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ، وَقَالَ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) وَكَانَ يُقَالُ لِلنَّبِيِّ: ادْعُنِي أَسْتَجِبْ لَكَ، وَقَالَ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ: (أدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) . 
❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇ ❇
 

 

*********************************