Untitled Document

عدد المشاهدات : 1442

الحلقة (122) من "تدبر القُرْآن العَظِيم" تدبر الآية (207) من سورة البقرة، قول الله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (207

 تدبر القُرْآن العَظِيم

الحلقة الثانية والعشرون بعد المائة الأولى
تدبر الآية (207) من سورة البقرة
********
  وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (207)
********
تحدثت الآيات السابقة عن المنافقين، وذكرت ستة من صفات هؤلاء المنافقين، ثم يقول الله تعالى 
(وَمِنَ النَّاسِ) يعنى بعض الناس، في مقابل هذه الفئة المنافقة، هناك بعض الناس
(مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ) أي يبيع نفسه، لأن الشراء في القرآن تأتي بمعنى الشراء وتأتي بمعنى البيع، لأن أصل عملية الشراء كعملية تجارية هي المقايضة، ولنفرض مثلًا أن أحدهم كان معه حبوب ويريد لحم، وواحد معه لحم ويريد حبوب، هنا تحدث مقايضة بين الإثنين
الذي معه حبوب يعطيها لصاحب اللحم، وصاحب اللحم يعطيها لمن يملك الحبوب
فصاحب الحبوب بائع للحبوب ومشتري للحم، ووصاحب اللحم مشتري للحبوب وبائع للحم
اذن كل طرف بائع ومشتري في نفس الوقت 
حتى بعد استخدام النقود أنت تشتري السلعة وتبيع النقود، اذن يظل كل طرف بائع ومشتري في نفس الوقت
ولذلك تأتي كلمة الشراء في القرآن بمعنى الشراء وبمعنى البيع، والذي يحدد المعنى هو سياق الآية
في سورة يوسف مثلًا، يقول تعالى  (وَشَرَوهُ بثَمَنٍ بَخْسٍ) يعنى باعو يوسف –عليه السلام- بثمن قليل
وفي هذه الآية الكريمة   (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ) أي بعض الناس من يبيع نفسه،  (ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ) أي طلبَ مرضاة الله.
والابتغاء هو الطلب الشديد للشيء، والرغبة القوية في الحصول عليه
فهو يبيع نفسه في مقابل رغبته القوية في تحصيل رضى الله سبحانه وتعالى
اذن فهو يبيع نفسه، ويأخذ مقابل نفسه رضا الله عز وجل 
********
وهذه الآية قيل أنها نزلت في "صهيب الرومي" وأسمه "صهيب بن سنان" وهو لم يكن من الروم كما يعتقد الكثير، ولكنه من العرب وتعرض للسبي وهو في سن صغيرة، عندما أغار الروم على قبيلته، فأقام في الروم، ثم هرب منهم وأتي مكة
فكأن أهل مكة يطلقون عليه "صهيب الرومي" لأنه كان يتحدث لغتهم، وكان من أوائل الذين دخلوا في الاسلام، ولم تكن له قبيلة تحميه فكان من الذين تعرضوا للتعذيب الشديد على يد أهل مكة، فكان يعذب حتى يغيب عن الوعي
كان صهيب يعذب حتى يغيب عن الوعي
********
فما هاجر النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- من مكة الى المدينة، وأراد "صهيب" أن يهاجر منعته قريش، فنثر كنانته، وكان من الرماة المهرة، فخيرهم بأن أن يرميهم بالسهام أو أن يأخذوا كل ماله ودراه وكل ما يملك، ويتركوه يهاجر، فوافقوا ولم يتركوا له الا راحلته التى سيركبها، فهاجر وكان هو و-على بن أبي طالب- آخر من هاجر من مكة، فلما قدم على النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وقص عليه ماحدث قال له النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يا أبا يحيى، ربح البيع، ربح البيع، ربح البيع، ونزل قول الله تعالى (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (207)
********
وقيل أن الآية نزلت في "خُبَيب بن الدَّثِنَّةِ" والقصة أن بعد غزوة "أحد" اهتزت كثيرًا هيبة المسلمون في الجزيرة، وكان من توابع ذلك غدر قبيلتى "عَضَل" وَ"الْقَارَةُ"
والقصة أن نفر من مكة سعوا الى رجال من "عَضَل" وَ"الْقَارَةُ" واتفقوا معهم على أن يعطوا لهم مبلغًا من المال مقابل أن يقدموا على الرَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في المدينة، ويظهروا الإسلام، ويطلبون من الرَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أن يرسل معهم من يفقههم في الدين، ثم يأسروهم ويسلموهم اليهم
وقد اختارت مكة، قبيلتى "عضل" و"القارة" لأنهما من القبائل المتحالفة مع المسلمين، ولذلك فلن يشك الرَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في أنهما يضمران له الغدر
وبالفعل جاء الى المدينة رهط من قبيلتى "عضل" و"القارة" وقالوا: 
- إن فينا إسلامًا، فابعث معنا نفرًا من أصحابك، يفقهونا، ويقرئونا القرآن، ويعلمونا شرائع الإسلام
فاستجاب لهم الرَسُولُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وأرسل معهم عشرة من أصحابه 
وفي الطريق وعند بئر يقال له "الرجيع" خرج اليهم قريب من مائتي مقاتل، فأخذ الصحابة سيوفهم واستعدوا لقاتلهم
خرج اليهم قريب من مائتي مقاتل
********
وحاولوا أن يغروهم بالإستسلام، ووعدوهم بعدم قتلهم، ولكن المسلمون رفضوا الاستسلام، فأخذ المعتدين يرمونهم بالسهام، ويرمونهم بالحجارة، وبدأ يسقط من المسلمين قتلي، وسقط بعض القتلي من الجانب الآخر، حتى لم يبق من المسلمين الا ثلاثة فقط وهم:
خُبَيب بن الدَّثِنَّةِ - زيد بن الدَّثِنَّةِ - عبد الله بن طارق
فأخذوا يساوموا هؤلاء الثلاثة مرة أخري على الاستسلام، ووعدوهم بعدم قتلهم، فوافقوا على ذلك، ولكنهم بمجرد أن استسلموا اليهم ربطوهم بأوتار قسيهم، فقال عبد الله بن طارق: 
- هذا أول الغذر
ورفض أن يسير معهم، وأخذ يقاومهم وهم يجرجروه، فلما أجهدهم قتلوه، ولم يبق الا خُبَيب بن الدَّثِنَّةِ، وزيد بن الدَّثِنَّةِ
فانطلقوا بهما الى قريش، وباعوا "خُبَيب بن الدَّثِنَّةِ" الى بنو "الحارث بن عامر" لأن  "خُبَيب" هو الذي قتل أبوهم "الحارث بن عامر" في بدر
وباعوا "زيد بن الدَّثِنَّةِ" الى "صفوان بن أمية" ليقتله انتقامًا لمقتل أبيه "أمية بن خلف" في بدر كذلك
 

خريطة الأحداث
********
أخذ بنو الحارث "خُبَيب بن الدَّثِنَّةِ" وحبسوه عندهم حتى تنقضى الأشهر الحرم، وأثناء حبسه كانت له كرامة رأتها أحد بنات "الحارث بن عامر" وقد أسلمت بعد ذلك، ذلك أنها رأته يأكل عنب، ولم يكن بمكة كلها عنب في ذلك الوقت، تقول:
ما رأيت أسيرًا قط خيرًا من خبيب، لقد رأيته يأكل من قطف عنب كأنه رأس رجل، وما بمكة يومئذ ثمرة، وإنه لموثق في الحديد, وما كان إلا رزقًا رزقه الله 
رأيته يأكل من قطف عنب كأنه رأس رجل
********
وأخيرًا خرجوا به من الحرم الى التنعيم ليقتلوه، فقال لهم:
- دعوني أصلى ركعتين
ثم انصرف من صلاته وقال لهم:
- لولا أن تروا لأن بي جزع من الموت لطولت في الصلاة
فكان أول من سن صلاة ركعتين عن القتل
يقول خبيب: لولا أن تروا لأن بي جزع من الموت لطولت في الصلاة
********
ثم أوثقوه ورفعوه على خشبة، واقترب منه أبو سفيان وقال له:
- أنشدك الله يا خُبَيب أتحب أن محمدًا الآن عندنا مكانك تضرب عنقه وأنت في أهلك؟
فقال له خُبَيب:
- ما أحب أن محمدًا الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه، وإني جالس في أهلي
يقول أبو سفيان: أنشدك الله يا خُبَيب أتحب أن محمدًا الآن عندنا مكانك تضرب عنقه وأنت في أهلك؟
********
ثم قال خُبَيب هذا الدعاء الشهير:
- اللهم أحصهم عددًا، واقتلهم بددًا ولا تبق منهم أحدًا
ومعنى "احصهم عددًا" يعنى هذا الدعاء يشملهم جميعًا فردًا فردًا " واقتلهم بددًا" يعنى متفرقين، كما أنه قتل وحيدًا  
وجاء رجل من المشركين يقال له سلامان، أبو ميسرة، معه رمح فوضعه بين ثديي خبيب، فقال له خبيبك: اتق الله، فما زاده ذلك إلا عتواً فطعنه فأنفذه وذلك قوله عز وجل "وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم" يعني سلامان، وأنزل الله تعالى في "خُبَيب بن الدَّثِنَّةِ"قوله تعالى (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ)
********
وقيل أن هذه الآية نزلت في رجل أمر بالمعروف ونهي عن المنكر حتى قتل
والآية عامة في كل المجاهدين في سبيل الله، بل كل من يضحي في سبيل الله تعالى، سواء ضحي بحايته أو ماله أو وقته أو جهده أو غير، وعلى قدر عطائك لله تعالى يكون عطائك الله لك 
********
روي أن جيش المسلمين في عهد "عمر بن الخطاب" حاصر أحد الحصون، فتقدم رجل من العرب فقاتل بمفرده حتي قتل، فتحدث الناس في ذلك، وقالوا: ألقى بيده إلى التهلكة ! فبلغ ذلك "عمر بن الخطاب" فقال: لَيْسَ كَمَا قَالُوا، هُوَ مِنَ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ فِيهِمْ: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ 
********
وحدث نفس الموقف أثناء حصار المسلمين لمدينة "كابل" وهي عاصمة أفغانستان" الآن، فخرج رجل من المسلمين، وهو "هشام بن عامر" فاخترق الصفوف وقاتل حتى قتل، فقال المسلمون: ان "هشام بن عامر: ألقي بيده الى التهلكة، فقال "أبو هريرة" لا ولكنه التمس هذه الآية "ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله رءوف بالعباد" وقال العدو: رجل من المسلمين فعل بنا ذلك، فكيف لو قاتلونا، فاستسلموا وانهزموا
صور البطولات الاسلامية كثيرة جدًا لاحصر لها 
وجميعهم يلتمسون هذه الآية الكريمة
اخترق "هشام بن عامر" الصفوف وقاتل حتى قتل
********
(وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ) يعنى الله تعالى شديد الشفقة والرحمة بمن يبيع نفسه ابتغاء مرضاة الله تعالى